عادت طوابير الانتظار أمام عدد من محطات الوقود في سورية بعد أيام فقط من قرار وزارة الطاقة خفض أسعار المشتقات النفطية، في مشهد أعاد إلى الواجهة أزمات التزود بالمحروقات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، رغم تأكيدات رسمية بأن ما يجري لا يرتبط بنقص في المخزون، وإنما بـ"اختناق مؤقت" في عمليات التوزيع نتيجة تغير مفاجئ في سلوك السوق.
وقالت وزارة الطاقة، في بيان، إن المخزون الاستراتيجي من المشتقات النفطية متوافر، وإن عمليات النقل والتوزيع مستمرة بصورة طبيعية، موضحة أن تداول إشاعات حول الأسعار خلال الأيام الماضية دفع بعض أصحاب المحطات إلى تقليص طلباتهم من المازوت، في حين أرجأ عدد من المستهلكين عمليات التعبئة بانتظار صدور نشرة الأسعار الجديدة، قبل أن يقفز الطلب بشكل مفاجئ عقب إعلان التخفيض، ما أدى إلى ازدحام في عدد من المحطات.
وجاءت هذه التطورات بعد ثلاثة أيام من خفض أسعار المشتقات النفطية بنسبة تراوحت بين 14% و20%، إذ انخفض سعر ليتر المازوت إلى 107 ليرات سورية جديدة، وبنزين أوكتان 90 إلى 125 ليرة، وبنزين أوكتان 95 إلى 130 ليرة، كما خُفض سعر أسطوانة الغاز المنزلي إلى 1500 ليرة.
ورغم التطمينات الرسمية بأن الأزمة مؤقتة، امتدت مشاهد الطوابير إلى عدد من المحافظات، وسط شكاوى من مواطنين اضطروا إلى التنقل بين أكثر من محطة للحصول على المازوت، في وقت يرى فيه مختصون أن المشكلة تتجاوز توافر المادة لتطال آليات إدارة الطلب عند حدوث تغييرات سعرية مفاجئة.
ويقول رشيد الفاضل، وهو مهندس معلوماتية من دمشق، إنه اضطر إلى التنقل بين عدة محطات للحصول على مادة المازوت، مشيراً إلى أن بعض المحطات نفدت كمياتها قبل وصول دوره، فيما يؤكد عيسى الهاشم من ريف دمشق أن مشهد الطوابير بات يتكرر مع كل تعديل في الأسعار، معتبراً أن الإشكال الأساسي يكمن في آلية إدارة السوق أكثر من توفر المادة نفسها.
وتأتي هذه الأزمة بعد أسابيع من اضطرابات شهدها سوق الطاقة، تمثلت في تراجع توفر الغاز المنزلي والبنزين في بعض المناطق، ما أعاد طرح تساؤلات حول قدرة منظومة توزيع المحروقات على استيعاب التغيرات المفاجئة في الطلب، خصوصاً مع توجه الحكومة إلى مراجعة الأسعار بصورة أكثر ارتباطاً بتكاليف الاستيراد والأسعار العالمية.
وفي سياق موازٍ، برزت رواية من داخل قطاع محطات الوقود حول أسباب الاضطراب في التوزيع، إذ أوضح باسل الصباغ، وهو عامل في إحدى محطات الوقود بمنطقة المزة، أن المشكلة الحالية لا ترتبط بنقص فعلي في المشتقات النفطية، بل بآلية الدفع والتحويلات المالية الخاصة بعمليات الشراء.
وقال الصباغ في حديث لـ" سيرياديلي ينوز" إن أصحاب المحطات كانوا يعتمدون سابقاً على أرصدة بالدولار مودعة لدى مصرف سورية المركزي لتسديد قيمة الكميات المخصصة لهم من المحروقات، قبل أن يتم تعديل آلية الدفع والانتقال إلى التعامل بالليرة السورية، وهو ما تسبب بخلل في آليات التسوية المالية لدى عدد من المحطات.
وأضاف أن صدور القرار في نهاية الأسبوع، بالتزامن مع عطلة رسمية، أدى إلى تأخر الإجراءات المصرفية اللازمة لاستكمال عمليات الدفع، الأمر الذي انعكس مباشرة على قدرة بعض المحطات على استجرار كميات الوقود في الوقت المحدد.
وأشار إلى أن هذا التعطيل المؤقت أدى إلى تراجع الإمدادات المتاحة في عدد من المحطات، ما تسبب بازدحام وطوابير أمام بعضها، في حين فضّل عدد من أصحاب المحطات التوقف المؤقت عن العمل بانتظار وضوح آلية التسعير الجديدة وتعديل أوضاعهم المالية، خشية تكبد خسائر نتيجة الفارق بين أسعار الشراء السابقة وأسعار البيع الجديدة.
ويضيف عاملون في القطاع أن هذا التحول في آلية الدفع خلق حالة من "الضغط التشغيلي" على محطات الوقود، في وقت لم تتكيف فيه المنظومة المصرفية بشكل كامل مع التحول في العملة، ما ساهم في تفاقم الازدحام رغم توفر المادة في المستودعات الرئيسية.
وبينما تؤكد وزارة الطاقة أن حالة الازدحام ستنتهي خلال يوم أو يومين مع استكمال تلبية الطلبات المتراكمة، يرى مختصون أن تكرار هذه المشاهد يكشف الحاجة إلى تطوير آليات إدارة المخزون والتوزيع، بحيث لا تتحول أي تعديلات سعرية مستقبلية إلى أزمات ميدانية مباشرة تنعكس على حياة المواطنين أمام محطات الوقود.
سيرياديلي نيوز- خاص
2026-06-30 13:35:29
