أدرج البنك الدولي سورية ضمن فئة الاقتصادات منخفضة الدخل للعام المالي 2026، بعد تسجيل الدخل القومي الإجمالي للفرد عند 770 دولاراً خلال عام 2024، لتحتل المرتبة 190 بين 201 اقتصاد شملها التصنيف، في مؤشر يعكس استمرار التراجع الذي أصاب الاقتصاد السوري خلال أكثر من عقد.

ويعتمد البنك الدولي في تصنيفه السنوي على الدخل القومي الإجمالي للفرد وفق "منهجية أطلس"، التي تحد من تأثير تقلبات أسعار الصرف، ويستخدم هذا المؤشر لتصنيف اقتصادات العالم وتحديد أهلية الدول لبعض برامج التمويل الميسر، ولا يعكس دخل الأفراد الفعلي أو مستوى الرواتب.

ووفق تصنيف العام المالي 2026، فإن الاقتصادات التي لا يتجاوز فيها الدخل القومي الإجمالي للفرد 1135 دولاراً تندرج ضمن فئة البلدان منخفضة الدخل، وهو ما ينطبق على سورية التي سجلت 770 دولاراً للفرد خلال عام 2024.

ويأتي التصنيف بعد أشهر من موافقة البنك الدولي على تقديم منح بقيمة 225 مليون دولار لسورية، بواقع 150 مليون دولار لإعادة تأهيل شبكات المياه والصرف الصحي، و75 مليون دولار لدعم القطاع الصحي، في إطار برامج تستهدف تحسين الخدمات الأساسية ودعم التعافي المبكر.

ولا يعد هذا التصنيف جديداً بالكامل بالنسبة لسورية، إذ كانت البلاد قبل عام 2011 ضمن فئة الاقتصادات متوسطة الدخل من الشريحة الدنيا، إلا أن سنوات الحرب والانكماش الاقتصادي وتراجع الإنتاج دفعت البنك الدولي إلى إعادة تصنيفها ضمن الاقتصادات منخفضة الدخل، مع استمرار انخفاض الدخل القومي الإجمالي للفرد.

ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور  عمار اليوسف إن تصنيف البنك الدولي يعكس بصورة أساسية تراجع حجم الاقتصاد السوري، وليس مستوى رواتب المواطنين، موضحاً أن الدخل القومي الإجمالي للفرد هو مؤشر إحصائي يحتسب بقسمة إجمالي الدخل القومي على عدد السكان، ويستخدم للمقارنة بين الاقتصادات.

ويضيف في حديثه لـ"  سيرياديلي نيوز" أن انخفاض هذا المؤشر يرتبط بتراجع الناتج المحلي، وضعف النشاط الصناعي والزراعي، وانخفاض إنتاج النفط والغاز، وخروج آلاف المنشآت من الخدمة، فضلاً عن تراجع الاستثمارات والصادرات خلال سنوات الحرب.

ويشير إلى أن التصنيف قد يمنح سورية فرصة أوسع للاستفادة من بعض برامج التمويل والمنح الميسرة التي تقدمها المؤسسات الدولية للدول منخفضة الدخل، لكنه لا يعني الحصول على التمويل بصورة تلقائية، إذ تبقى الاستفادة مرتبطة بوجود مشاريع قابلة للتمويل، وقدرة المؤسسات الحكومية على تنفيذها، وتوافر بيئة مناسبة لإدارة هذه الأموال.

وتعكس المؤشرات الاقتصادية حجم التحديات التي تواجه الاقتصاد السوري. فقد قدر البنك الدولي أن الاقتصاد واصل انكماشه خلال عام 2024، بعد انكماش سجله في العام السابق، نتيجة استمرار ضعف النشاط الاقتصادي، وتراجع الإنتاج، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، إضافة إلى انخفاض الطلب المحلي واستمرار الضغوط على مختلف القطاعات الاقتصادية.

كما تشير تقديرات البنك إلى أن نسبة كبيرة من السوريين تعيش تحت خط الفقر، في وقت ما تزال فيه القدرة الشرائية للأسر تتراجع بفعل التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، بينما لم تستعد القطاعات الإنتاجية قدرتها على توليد فرص العمل أو زيادة مستويات الدخل.

من جانبه، يقول الخبير الاقتصادي  حسين الابراهيم  إن وصول الدخل القومي الإجمالي للفرد إلى 770 دولاراً يعكس تقلص حجم الاقتصاد أكثر مما يعكس مستوى دخول الأفراد، لأن هذا المؤشر يتأثر بقيمة الإنتاج الكلي والاستثمار والصادرات، وليس بالأجور وحدها.

ويضيف لـ " سيرياديلي نيوز" أن الاقتصاد السوري فقد جزءاً كبيراً من طاقته الإنتاجية خلال السنوات الماضية، مع تراجع مساهمة الصناعة والزراعة والطاقة في الناتج المحلي، إضافة إلى هجرة رؤوس الأموال والكفاءات، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما انعكس على النمو الاقتصادي ومستويات الدخل.

ويرى أن استمرار هذا الوضع يفرض التركيز على إعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الصناعة والزراعة، وتحسين البنية التحتية، وتوفير بيئة أكثر استقراراً للاستثمار، لأن أي تحسن في تصنيف سورية مستقبلاً سيعتمد على نمو الاقتصاد الحقيقي وزيادة الناتج المحلي، وليس على حجم المساعدات أو المنح الخارجية.

ويؤكد الخبير الاقتصادي أن التمويل الدولي يمكن أن يخفف من الضغوط في قطاعات الخدمات الأساسية، لكنه لا يمثل بديلاً عن الإصلاحات الاقتصادية، مشيراً إلى أن التعافي يتطلب رفع الإنتاج، وتشجيع الاستثمار، وتحسين بيئة الأعمال، وزيادة الصادرات، بما ينعكس على الدخل القومي الإجمالي ومستويات المعيشة.

ويؤكد البنك الدولي أن تصنيف الدخل لا يعد تقييماً شاملاً لمستوى التنمية أو جودة الخدمات أو توزيع الدخل داخل الدولة، وإنما يمثل أداة إحصائية تستخدمها المؤسسات المالية الدولية لتحديد أهلية الدول لبعض برامج التمويل والدعم التنموي. وبينما يسلط إدراج سورية ضمن الاقتصادات منخفضة الدخل الضوء على عمق الأزمة الاقتصادية، فإنه يحدد أيضاً الإطار الذي ستتعامل من خلاله المؤسسات الدولية مع احتياجات البلاد التمويلية خلال المرحلة المقبلة.

سيرياديلي نيوز- خاص


التعليقات