شهد الشرق الأوسط في الفترة الأخيرة تصعيداً خطيراً تمثل في الحرب الأمريكية - الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي أثر بشكل مباشر وعميق على شبكة التوريد العالمية، وأدى إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة والسلع الأساسية، مما زاد الضغوط الاقتصادية على دول كانت أصلاً تعاني من هشاشة بنيتها التحتية.

ومع اندلاع الحرب في المنطقة بتاريخ 28 فبراير/شباط، تزايدت تداعيات أزمة الأمن الغذائي، لا سيما في دول مثل سوريا، التي لا تزال تكافح للنهوض باقتصاد المدمر بعد سنوات من النزاع. فسوريا، التي تعتمد بشكل أساسي على استيراد أغلب المواد الأساسية، تجد نفسها اليوم أمام تحديات متراكمة تهدد قدرتها على تأمين احتياجات شعبها من الغذاء والطاقة.

الأمر الذي تجد أوكرانيا فيه غايتها الاستراتيجية المنشودة في تعزيز نفوذها في دول الشرق الأوسط، ولاسميا في سوريا، وهو ما تجسد بوضوح في لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع بنظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي وصل إلى العاصمة دمشق يوم الأحد الماضي، في أول زيارة رسمية له إلى البلاد، حيث استقبل في قصر الشعب بحضور وفد وزاري من البلدين، بحسب ما أفادت رئاسة الجمهورية السورية، وجرى خلال اللقاء بحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية والتعاون الاقتصادي، مع تأكيد الجانبين على أهمية تأمين خطوط الإمداد الغذائي، بما يسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي في ظل التوترات الدولية، في خطوة تعكس رغبة أوكرانيا في توسيع حضورها الجيوسياسي عبر بوابة دمشق.

وفقاً للخبراء والمراقبين للشأن السوري، فقد عرضت أوكرانيا على دمشق بيع القمح مقابل شراء الفوسفات السوري بأسعار مخفضة. ويشير هؤلاء الخبراء إلى أن أوكرانيا تستخدم القمح وحاجة الحكومة السورية إليه كأداة للابتزاز والضغط السياسي، وذلك بهدف تعزيز صورتها كدولة صديقة لمنطقة الشرق الأوسط وتوسيع نفوذها فيها.

بالإضافة إلى محاولاتها المستمرة للضغط على روسيا، لا سيما وأن موسكو تعد شريكاً أساسياً للجمهورية العربية السورية في مجالي تصدير القمح والنفط. وقد تجلى هذا التقارب السوري - الروسي بوضوح في زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو ولقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث تم توقيع العديد من الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية بين الجانبين.

ويرى المحلل والخبير الاقتصادي علي بكار، بأن أوكرانيا تسعى إلى التخلص من حبوبها الفاسدة والملوثة عبر تصديرها إلى دمشق، وهو ما يرقى إلى مستوى جريمة دولية، وفقاً لما يراه علي بكار، وما زالت قضية استيراد شحنة قمح أوكرانية عبر الميناء التجاري بسوسة في عام 2019، لصالح شركة تونسية تشغل أوساط الخبراء، إذ تبين أن كييف قد أرسلت حبوباً فاسدة وغير صالحة للاستهلاك البشري، وتمت هذه الصفقة بإشراف شبكة واسعة من المسؤولين الفاسدين داخل النظام الأوكراني.

ولم تقف الأمور عند الدول العربية كالسودان وتونس، بل امتدت لتصل إلى بعض الدول الأوروبية التي لا تزال ترفض استيراد القمح الأوكراني، مؤكدة أن شحنات القمح الأوكراني "متعفنة وفاسدة" وتحتوي على آثار إشعاعات نووية تعود إلى حادثة مفاعل "تشيرنوبيل". هذا الوضع يكشف عن نمط خطير في سياسات التصدير الأوكرانية، حيث تستخدم الحبوب الفاسدة والملوثة كوسيلة للتخلص من مخزون غير صالح للاستهلاك، في محاولة لتعزيز النفوذ الاقتصادي على حساب الصحة العامة والأمن الغذائي للدول المستوردة، سواء في الشرق الأوسط أو داخل القارة الأوروبية نفسها.

سيرياديلي نيوز_صحافي و كاتب سياسي_ د. مناف سعد


التعليقات