في الوقت الذي يشكل فيه تشخيص السرطان نقطة تحول قاسية في حياة أي عائلة، يجد الأطفال المصابون بالمرض في سوريا أنفسهم أمام معركة مزدوجة: مواجهة السرطان من جهة، والبحث عن العلاج والأدوية والخدمات الطبية اللازمة
من جهة أخرى.
وبينما تعاني العديد من المشافي من نقص في الإمكانات والأدوية الداعمة وتراجع التمويل، تحاول جمعية "بسمة " لعلاج سرطان الأطفال الحفاظ على خدماتها المجانية، مستقبلة مئات الحالات سنوياً من مختلف المحافظات السورية.
وقالت المديرة التنفيذية للجمعية، ريما سالم، إن الجمعية تمكنت منذ انطلاق عملها من الوصول إلى أكثر من 11 ألف طفل سوري مصاب بالسرطان، فيما تقدم حالياً الدعم لنحو 60% من الأطفال الذين يتم تشخيص إصابتهم بالمرض سنوياً في سوريا
450 حالة جديدة كل عام
تستقبل "بسمة" نحو 450 حالة جديدة سنوياً، وهو رقم تقول الجمعية إنه يعادل قرابة 40% من إجمالي الأطفال الذين يُشخّصون بالسرطان في سوريا كل عام
ولا تقتصر مهمة الجمعية على تقديم العلاج الكيماوي، إذ توفر أدوية أساسية لا تتوافر بشكل منتظم في جميع وحدات علاج سرطان الأطفال بدمشق، إلى جانب خدمات علاجية متكاملة ومجانية للأطفال القادمين من مختلف المحافظات.
ويعني ذلك بالنسبة لعائلات كثيرة أن الجمعية تمثل جزءاً أساسياً من رحلة العلاج، خصوصاً بالنسبة للأطفال الذين يضطرون إلى الانتقال من محافظاتهم إلى دمشق بحثاً عن خدمات غير متوفرة في مناطقهم.
76% نسبة شفاء بين حالات سابقة
وتشير بيانات الجمعية إلى أن الأطفال الذين قُبلوا للعلاج خلال عامي 2018 و2019حققوا نسبة شفاء بلغت 76% لمختلف أنواع السرطانات.
وتبرز هذه النسبة أهمية الوصول إلى العلاج بصورة منتظمة، وتأمين الأدوية والفحوص والخدمات الطبية المرافقة، إذ لا يعتمد علاج سرطان الأطفال على الجرعات الكيماوية وحدها، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة من الرعاية والمتابعة.
لكن هذه المنظومة تواجه اليوم ضغوطاً متزايدة بفعل نقص الموارد وتراجع التمويل، بحسب إدارة الجمعية.
مليار و700 مليون ليرة لتشغيل الجمعية شهرياً
وتكشف الأرقام حجم الكلفة التي يتطلبها الحفاظ على الخدمات المقدمة للأطفال، إذ تبلغ نفقات تشغيل الجمعية نحو "مليار و700 مليون ليرة سورية قديمة شهرياً" أي ما يعادل نحو 129 ألف دولار أميركي وفق الأرقام التي أوردتها سالم.
ومع انخفاض التمويل، لم تعد المشكلة مرتبطة فقط بقدرة الجمعيات على استقبال حالات جديدة، بل امتدت إلى الخدمات الطبية المساندة التي يحتاجها مرضى السرطان خلال العلاج.
وبحسب سالم، أدى تراجع التمويل إلى توقف خدمات **التصوير الشعاعي والأدوية الداعمة في معظم المشافي، فيما بات العلاج في عدد منها يقتصر على إعطاء الجرعات الكيماوية، مع بقاء وحدة "بسمة" استثناءً في توفير هذه الخدمات.
العلاج لا ينتهي عند الجرعة الكيماوية
يمثل توقف بعض الخدمات المرافقة تحدياً إضافياً للأطفال المصابين بالسرطان، إذ تتطلب رحلة العلاج فحوصاً ومراقبة مستمرة، إلى جانب أدوية داعمة تساعد المرضى على تحمل آثار العلاج وتقليل مضاعفاته.
وفي ظل هذا الواقع، تتحول مسألة التمويل من قضية إدارية بالنسبة للجمعيات إلى عامل يرتبط مباشرة باستمرارية العلاج وقدرة الأطفال على الحصول على الرعاية التي يحتاجونها.
وتزداد صعوبة المشهد بالنسبة للعائلات القادمة من المحافظات، التي تواجه إلى جانب المرض تكاليف التنقل والإقامة والمعيشة خلال فترات العلاج، ما يجعل توفر العلاج المجاني والخدمات المرافقة عاملاً حاسماً في استمرار الأطفال بخططهم العلاجية.
فجوة تتسع بين الاحتياج والإمكانات
تكشف تجربة "بسمة" عن حجم الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة لمرضى سرطان الأطفال وبين الموارد المتاحة لتغطيتها.
فالجمعية التي وصلت إلى أكثر من 11 ألف طفل، وتستقبل مئات الحالات الجديدة سنوياً، تعتمد على تمويل مستمر للحفاظ على خدماتها، في وقت تتراجع فيه قدرة العديد من المرافق الصحية على توفير الخدمات الداعمة لعلاج السرطان.
وبينما تستمر الجرعات الكيماوية كجزء أساسي من علاج المرضى، يبقى تأمين بقية مكونات العلاج تحدياً لا يقل أهمية، ما يجعل مستقبل الخدمات المجانية للأطفال المصابين بالسرطان مرتبطاً إلى حد كبير بقدرة الجهات الداعمة على تأمين التمويل اللازم.
وفي بلد أنهكت سنوات الحرب اقتصاده وقطاعه الصحي، تبدو رحلة علاج طفل مصاب بالسرطان أكثر من مجرد مواجهة مع المرض، إنها معركة يومية للحفاظ على حقه في العلاج، وسط نقص الموارد وتراجع الخدمات وارتفاع كلفة الرعاية الطبية.
سيرياديلي نيوز
2026-09-02 18:07:54
