لم يكن اليوم الأخير لمهلة استبدال الأوراق النقدية السورية القديمة عبر المصارف وشركات الصرافة مجرد موعد إداري حدده مصرف سوريا المركزي، بل تحول إلى مشهد اقتصادي واجتماعي عكس تفاصيل الحياة اليومية للسوريين، حيث تداخلت قرارات السياسة النقدية مع حركة الأسواق ووسائل النقل، لتصبح الأوراق النقدية القديمة والجديدة محورًا لتعاملات اتسمت أحيانًا بالارتباك، وأحيانًا أخرى بالمرونة والابتكار.

رحلة جديدة ...

في أسواق ريف دمشق، بدا المشهد أقرب إلى لعبة "التركس"، فكل طرف حاول أن يتجنب الاحتفاظ بالعملة القديمة مع اقتراب انتهاء مهلة استبدالها.

ففي الوقت الذي رفض فيه عدد من التجار استلام الأوراق النقدية القديمة، واشترطوا على الزبائن الدفع بالعملة الجديدة فقط، لم يجدوا حرجاً في إعادة باقي ثمن المشتريات للمواطنين بالعملة القديمة، مبررين ذلك بعدم توافر سيولة كافية من الفئات الجديدة.

هذا الواقع وضع المواطنين أمام معادلة غير متوازنة، فهم يدفعون بالعملة الجديدة، لكنهم يغادرون حاملين أوراقاً نقدية رفضها التاجر نفسه قبل دقائق، لتبدأ رحلة جديدة في البحث عن مكان يقبلها أو وسيلة للتخلص منها قبل انتهاء المهلة.

ولم تتوقف الإشكالية عند الأسواق، بل امتدت إلى قطاع النقل، ولا سيما على خطوط السرافيس المتجهة إلى بلدات الغوطة الشرقية في ريف دمشق، حيث فضل عدد من السائقين التوقف عن العمل مؤقتاً نتيجة عدم قبول العملة القديمة، وفي الوقت نفسه عدم امتلاكهم فئات صغيرة من العملة الجديدة تمكنهم من إعادة باقي الأجرة للركاب، الأمر الذي تسبب بحالة من الارتباك في حركة النقل خلال الساعات الأخيرة من المهلة.

مبادرات فردية ...

ورغم هذه التحديات، برزت مبادرات فردية عكست روح التعاون والقدرة على التكيف مع الواقع الجديد، ومن بين تلك المبادرات، ما قام به خالد الزكريا، سائق سيارة سرفيس على خط حرستا في ريف دمشق، الذي قرر أن يحول مشكلة "الفراطة" إلى فكرة بسيطة تخفف الاحتقان بينه وبين الركاب. فوضع علبة صغيرة من البسكويت والسكاكر على لوحة القيادة، وأصبح يقدمها للركاب بدلًا من المبالغ الصغيرة التي يتعذر إعادتها بسبب غياب الفئات المناسبة.

ويقول الزكريا لـ "   سيرياديلي نيوز " إن الفكرة لم تكن بهدف استبدال النقود بقطع من الحلوى، وإنما لإيجاد حل مؤقت يحافظ على الاحترام المتبادل بين السائق والراكب، ويجنب الطرفين الدخول في نقاشات يومية حول بضعة ليرات.

ويضيف أن كثيراً من الركاب استقبلوا المبادرة بابتسامة، بينما رفض آخرون أخذ السكاكر أو البسكويت معتبرين أن تفهم الظروف يكفي، وهو ما يعكس حالة من التضامن الاجتماعي التي فرضتها المرحلة الانتقالية.

استنفار مصرفي ...

وفي مقابل المبادرات الفردية التي شهدتها الأسواق وقطاع النقل، اتخذت المؤسسات المصرفية إجراءات استثنائية لاستيعاب الإقبال الكبير على استبدال العملة في يومها الأخير. وفي هذا الإطار، أعلن المصرف التجاري السوري تمديد ساعات الدوام الرسمي في جميع فروعه حتى الساعة الثامنة من مساء الخميس، تنفيذاً لتوجيهات مصرف سوريا المركزي، بهدف تمكين المواطنين من استكمال عمليات استبدال أوراقهم النقدية ضمن المهلة القانونية.

وأوضح المصرف أن القرار جاء استجابةً للازدحام الذي شهدته الفروع خلال الساعات الأخيرة، مع تخصيص ساعات الدوام الإضافية حصرياً لاستقبال وإنجاز معاملات استبدال العملة السورية وفق الضوابط والتعليمات المعتمدة، وذلك في إطار التنسيق مع مصرف سوريا المركزي لضمان انسيابية العمليات وتقديم الخدمة للمواطنين حتى انتهاء المهلة المحددة.

وفي حديث خاص لـ" سيرياديلي نيوز "، أكد مصدر مسؤول في مصرف سوريا المركزي ، أن انتهاء مهلة استبدال العملة القديمة عبر المصارف وشركات الصرافة في 30 تموز لا يعني ضياع حقوق المواطنين أو فقدان قيمة ما بحوزتهم من أوراق نقدية، وإنما يقتصر على انتهاء عمليات الاستبدال عبر القنوات المالية المعتمدة.

وأوضح المصدر أن العملة القديمة ستدخل مرحلة انتقالية تمتد لخمس سنوات، يتم خلالها سحبها تدريجيًا من التداول واستبدالها بالإصدار الجديد وفق خطة تنفيذية وتعليمات تنظيمية سيصدرها مصرف سوريا المركزي، بما يضمن استمرار العملية بصورة منظمة ويحافظ على الاستقرار النقدي.

وأضاف أن مصرف سوريا المركزي كثف خلال الأيام الأخيرة من مهلة الاستبدال إجراءات الرقابة والامتثال، مع إخضاع العمليات المالية للتدقيق والتحقق من مصادر الأموال، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق أي معاملات يشتبه بمخالفتها للتشريعات النافذة المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وأشار إلى أن المصرف يعمل على استكمال المرحلة الأخيرة من خطة الاستبدال، لافتاً إلى أن نسبة الإنجاز بلغت نحو 80 بالمئة من إجمالي الكتلة النقدية القديمة، إذ تم سحب واستبدال أكثر من 33.6 تريليون ليرة سورية من أصل 42 تريليون ليرة سورية كانت قد صدرت خلال الأعوام السابقة.

وأكد أن هذه النسبة تعكس سلامة المسار التنفيذي لخطة الاستبدال، وأن المصرف سيواصل العمل بالوتيرة نفسها لاستكمال العملية بكفاءة، بما يعزز الاستقرار المالي ويدعم انتظام الدورة النقدية.

وأضاف أن القرار المنظم لعملية الاستبدال شمل الأوراق النقدية القديمة من فئات 1000 و2000 و5000 ليرة سورية من جميع الإصدارات، وفق التعليمات التنفيذية الصادرة عن المرسوم الرئاسي لاستبدال العملة .

وأشار إلى أن مرحلة سحب الأوراق النقدية القديمة تبدأ اعتباراً من 31 تموز ولمدة خمس سنوات، وستنفذ حصرياً عبر مصرف سوريا المركزي، على أن تتضمن التعليمات التنفيذية المرتقبة آلية التعامل مع الفئات الصغيرة، ولا سيما فئة 500 ليرة سورية القديمة التي تعادل خمس ليرات سورية وفق معيار العملة الجديدة، بما يضمن استمرار التعاملات اليومية دون إرباك ويحفظ حقوق المواطنين.

توحيد العملة النقدية ...

ولا تقتصر تداعيات عملية استبدال العملة على الجوانب الإجرائية والتنظيمية فحسب، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية أعمق تتعلق بمستقبل السياسة النقدية ودور الليرة السورية في مرحلة التعافي، ولا سيما بعد سنوات من تعدد العملات في عدد من المناطق السورية، وما رافقه من تفاوت في الأسعار واختلاف في آليات التسعير والتعاملات التجارية.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش أن استبدال العملة القديمة يمثل أكثر من مجرد عملية فنية لتبديل الأوراق النقدية، إذ يشكل خطوة مهمة نحو إعادة تنظيم الدورة النقدية وتعزيز حضور الليرة السورية في الأسواق، بعد سنوات من التعامل المتزامن بالليرة السورية القديمة والجديدة والليرة التركية والدولار الأمريكي في عدد من المناطق.

ويقول عياش إن تعدد العملات، وإن فرضته الظروف الاقتصادية خلال السنوات الماضية، أوجد حالة من الانقسام النقدي انعكست بصورة مباشرة على الأسواق، وأضعفت دور الليرة السورية كمقياس موحد للقيمة، كما أسهمت في انتقال آثار التضخم الخارجي إلى الاقتصاد المحلي، وخلقت تفاوتًا في الأسعار بين منطقة وأخرى.

وأضاف لـ "  سيرياديلي نيوز " أن هذا الواقع أثر بصورة واضحة على القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة أصحاب الدخل الثابت الذين يتقاضون رواتبهم بالليرة السورية، في حين يجري تسعير العديد من السلع والخدمات بالدولار أو بالليرة التركية في الشمال السوري، وهو ما وسع الفجوة بين الدخل والإنفاق اليومي.

وأشار إلى أن تعدد العملات لم ينعكس على المستهلك فقط، بل امتد إلى حركة التجارة والنقل، حيث أصبح التجار وشركات النقل يعتمدون بصورة مستمرة على أسعار الصرف لتحديد أثمان السلع وأجور النقل، الأمر الذي زاد من تعقيد المعاملات ورفع تكاليفها.

وأكد عياش أن نجاح عملية استبدال العملة واستكمال سحب الأوراق النقدية القديمة يمثل فرصة لإعادة توحيد أدوات التداول النقدي وتعزيز الثقة بالليرة السورية، بما يمنح مصرف سوريا المركزي قدرة أكبر على إدارة الكتلة النقدية ومواجهة التضخم وتهيئة البيئة المناسبة لمرحلة التعافي الاقتصادي.

وبين مشهد الازدحام أمام المصارف، وارتباك الأسواق، وتوقف بعض وسائل النقل، والمبادرات الفردية التي أطلقها مواطنون لتجاوز نقص الفئات الصغيرة، اختتم السوريون مرحلة استبدال استمرت أشهراً، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها سحب العملة القديمة وإعادة ترتيب الدورة النقدية. وبينما يبقى نجاح هذه المرحلة مرتبطاٍ بفاعلية الإجراءات الرسمية، أثبتت التجربة أيضاً أن مرونة المواطنين وقدرتهم على ابتكار الحلول كانت عنصراً أساسياً في تخفيف آثار الانتقال من إصدار نقدي إلى آخر.

سيرياديلي نيوز- نور ملحم


التعليقات