مع اقتراب انتهاء المهلة الرسمية لاستبدال العملة السورية القديمة، بدأت الأسواق تشهد حالة من الارتباك انعكست على حركة البيع والشراء، بعدما بادر عدد من التجار وأصحاب المحال إلى رفض التعامل بالأوراق النقدية القديمة، رغم استمرار
صلاحيتها القانونية حتى نهاية الفترة المحددة.
هذا الواقع خلق حالة من القلق لدى المواطنين، الذين وجدوا أنفسهم أمام صعوبات يومية في إنجاز معاملاتهم، وسط نقص في بعض الفئات ئئءئبالنقدية الجديدة، واستمرار تداول فئات قديمة، ما جعل المرحلة الانتقالية أكثر تعقيداً بالنسبة للأسواق والمستهلكين على حد سواء.
مخاوف التجار تربك الأسواق
لا يبدو رفض بعض المحال قبول العملة القديمة قراراً عاماً، بقدر ما يعكس حالة من الحذر لدى التجار، خشية الاحتفاظ بكميات من الأوراق النقدية التي قد يصعب تصريفها بعد انتهاء مهلة الاستبدال.
وتبرز المشكلة بصورة أكبر مع استمرار تداول فئة الـ5000 ليرة القديمة على نطاق واسع، في حين لا تزال بعض الفئات الجديدة غير متوافرة بالكميات الكافية لتلبية احتياجات السوق، الأمر الذي أدى إلى اضطراب في التعاملات اليومية، خاصة في القطاعات التي تعتمد على الدفع النقدي المباشر.
كما انعكس هذا النقص على قطاع النقل العام، حيث يواجه السائقون والركاب صعوبة في توفير "الباقي"، ما يدفع في بعض الأحيان إلى تقريب الأسعار أو الاستغناء عن أجزاء من المبالغ المستحقة، وهو ما يضيف أعباءً جديدة على المواطنين.
نجاح العملية لا يتوقف على العملة الجديدة
وزير المالية والاقتصاد الأسبق،عبد الحكيم المصري، يرى أن استبدال العملة يمثل خطوة يمكن أن تحمل آثاراً إيجابية على النظام النقدي، إلا أن نجاحها لا يرتبط بإصدار أوراق نقدية جديدة فقط، وإنما بقدرة مصرف سوريا المركزي على إدارة المرحلة الانتقالية وضبط السيولة وحركة الأسواق.
ويؤكد المصري أن التخوفات التي ترافق أي عملية استبدال نقدي تُعد أمراً طبيعياً، إذ يحتاج المواطنون والتجار إلى وقت للتكيف مع العملة الجديدة، محذراً من أن غياب الوضوح قد يفتح الباب أمام المضاربة على سعر الصرف أو رفع الأسعار بذريعة التغيير النقدي.
الأسعار تحت المجهر
ويشير المصري إلى أن ملف الأسعار سيكون من أكثر الملفات حساسية خلال المرحلة الأولى، موضحاً أن بعض التجار قد يستغلون صعوبة التعامل بالفئات الجديدة أو نقصها لرفع الأسعار، لافتاً إلى أن حجم هذه التأثيرات سيبقى مرتبطاً بقدرة المصرف المركزي على توفير السيولة اللازمة وضمان انسيابية التداول.
ويرى أن استقرار السوق النقدية يتطلب سرعة في ضخ الفئات المناسبة، بما يضمن استمرار العمليات التجارية دون اختناقات أو اضطرابات تؤثر في حياة المواطنين.
الإصلاح النقدي يحتاج إلى اقتصاد منتج
ويؤكد المصري أن استبدال العملة لا يمكن فصله عن الواقع الاقتصادي العام، موضحاً أن سعر الصرف سيظل العامل الأكثر تأثيراً في نجاح العملية، في ظل استمرار ضعف الإنتاج المحلي، واعتماد الاقتصاد على الاستيراد، إلى جانب تأثير التطورات الإقليمية في مستوى الثقة بالعملة الوطنية.
ويضيف أن قوة العملة لا تُقاس بشكلها الجديد، وإنما بقدرة الاقتصاد على الإنتاج وتحقيق النمو، مشيراً إلى أن أي إصلاح نقدي يحتاج إلى سياسات اقتصادية متوازية تدعم الاستثمار والإنتاج وتعيد الثقة بالاقتصاد.
فوائد تتجاوز تغيير الأوراق النقدية
ورغم التحديات، يرى الوزير السابق أن للعملة الجديدة مزايا مهمة، أبرزها الحد من انتشار العملات المزورة، ومنح المصرف المركزي فرصة لمعرفة الحجم الحقيقي للكتلة النقدية المتداولة في السوق.
كما أن تنفيذ عملية الاستبدال عبر القنوات الرسمية يتيح تتبع حركة الأموال بصورة أفضل، ويساعد في الحد من غسل الأموال، ويمنح السلطات النقدية قدرة أكبر على إدارة السيولة والتحكم بالمعروض النقدي وفق احتياجات الاقتصاد.
اقتصاد نقدي يفرض تحديات إضافية
ويلفت المصري إلى أن أكثر من 90% من التعاملات داخل سوريا لا تزال تتم باستخدام النقد الورقي، وهو ما يزيد من صعوبة إدارة المرحلة الانتقالية في ظل ضعف الاعتماد على الخدمات المصرفية والدفع الإلكتروني.
كما يحذر من أن غياب بعض الفئات الصغيرة قد يؤدي إلى تضخم غير مباشر، نتيجة لجوء بعض التجار إلى تقريب الأسعار نحو الأعلى بسبب عدم توافر مبالغ مناسبة لإعادة الباقي.
الثقة... كلمة السر
ويشدد المصري على أن نجاح عملية استبدال العملة يتطلب سياسة اقتصادية متكاملة، تشمل ضبط الإنفاق العام، وتحسين الإيرادات، وتعزيز الثقة بالمصارف، ودعم الاستثمار، والعمل على استقرار سعر الصرف وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية.
ويؤكد أن الهدف الحقيقي من العملية لا ينبغي أن يقتصر على استبدال الأوراق النقدية، بل يجب أن يتمثل في إعادة الليرة السورية إلى أداء وظائفها الأساسية كوسيلة للتبادل ومخزن للقيمة، معتبراً أن **الثقة** تبقى العامل الحاسم في نجاح أي إصلاح نقدي.
اختبار يتجاوز تبديل الأوراق
وبين أسواق تحاول التأقلم، وتجار يتخوفون من الاحتفاظ بالعملة القديمة، ومواطن يواجه صعوبات في الحصول على الفئات المناسبة، تدخل سوريا مرحلة نقدية جديدة تحمل فرصاً وتحديات في آن واحد.
وسيكون نجاح عملية استبدال العملة مرهوناً بقدرة المؤسسات الاقتصادية على إدارة المرحلة الانتقالية بكفاءة، وضمان استقرار الأسواق، ومنع استغلال المواطنين، بما يجعل تغيير العملة خطوة ضمن إصلاح اقتصادي أوسع، لا مجرد استبدال لأوراق نقدية بأخرى.
سيرياديلي نيوز
2026-07-27 16:52:56
