كشفت هيئة التخطيط والإحصاء السورية، في دراسة جديدة تناولت واقع التضخم في سوريا خلال الفترة الممتدة بين عامي 2010 و2025، أن الارتفاع المستمر في الأسعار لم يكن مرتبطاً بعوامل نقدية فقط، بل نتج عن تداخل مجموعة واسعة من العوامل الاقتصادية، في مقدمتها تراجع قيمة الليرة السورية وانخفاض الإنتاج المحلي وارتفاع تكاليف النقل والطاقة واضطراب سلاسل الإمداد.

وأوضحت الدراسة أن العلاقة بين سعر صرف الليرة السورية والرقم القياسي العام للأسعار كانت العامل الأكثر ثباتاً وتأثيراً على مسار التضخم خلال سنوات الدراسة، فيما شكلت أسعار الغذاء والطاقة والنقل القنوات الرئيسية التي انتقلت عبرها الضغوط التضخمية إلى مختلف القطاعات.

وبحسب الدراسة، تستحوذ الأغذية والمشروبات غير الكحولية على نحو 39.9% من سلة إنفاق المستهلك السوري، بينما تبلغ حصة السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود 25.54%، والنقل 7.06%، ما يجعل هذه المجموعات الأكثر تأثيراً في مستوى الأسعار العام.

وأشارت الهيئة إلى أن ارتفاع أسعار المحروقات ينعكس بشكل مباشر على تكاليف النقل، قبل أن ينتقل أثره إلى أسعار المواد الغذائية والسلع والخدمات الأخرى، في ظل اعتماد الاقتصاد السوري بدرجة كبيرة على النقل ومدخلات الإنتاج والطاقة.

سبع مراحل للتضخم

قسمت الدراسة مسار التضخم في سوريا إلى سبع مراحل، بدأت بفترة التضخم الطبيعي قبل عام 2011، ثم صدمة الاقتصاد مع اندلاع الثورة، وصولاً إلى الانهيار الهيكلي للاقتصاد، والاستقرار النسبي، ثم التضخم المعيشي المركب، وتضخم تكاليف المعيشة والطاقة، وصولاً إلى مرحلة "التضخم المضطرب" خلال عام 2025.

وقبل عام 2011، حافظ الاقتصاد السوري على مستوى نسبي من الاستقرار، قبل أن تبدأ الضغوط السعرية بالظهور مع نهاية ذلك العام بالتزامن مع ارتفاع سعر الصرف وتصاعد حالة عدم اليقين في الأسواق.

وارتفع الرقم القياسي لأسعار المستهلك من 105.043 نقاط في الربع الأول من عام 2011 إلى 111.063 نقطة في الربع الأخير، بزيادة تراكمية بلغت 5.73%، بينما ارتفع سعر صرف الدولار من 46.9 إلى 51.36 ليرة خلال العام نفسه.

2012 و2013.. بداية الانفلات السعري

اعتبرت الدراسة عامي 2012 و2013 نقطة التحول الرئيسية في مسار التضخم السوري، مع دخول الاقتصاد مرحلة صدمة مركبة نتيجة تدهور سعر الصرف وتعطل سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف النقل وتراجع إنتاج النفط وزيادة الاعتماد على الاستيراد.

وارتفع الرقم القياسي العام للأسعار من 129.27 نقطة في بداية عام 2012 إلى 327.67 نقطة بنهاية عام 2013، أي بأكثر من 153%، بالتزامن مع ارتفاع سعر صرف الدولار من 58.39 إلى 139.32 ليرة.

ووفق الدراسة، تحول التضخم خلال هذه المرحلة إلى ظاهرة متعددة العوامل، جمعت بين التضخم المستورد الناجم عن سعر الصرف، ونقص السلع، وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، إضافة إلى تضخم التوقعات وإعادة تسعير السلع والخدمات.

انكماش الإنتاج يعمق التضخم

وخلال الفترة بين 2014 و2016، ربطت الدراسة استمرار ارتفاع الأسعار بانكماش النشاط الاقتصادي وتراجع القدرات الإنتاجية واتساع الفجوة بين العرض والطلب، بالتزامن مع استمرار تراجع قيمة الليرة.

وأشارت إلى أن خسائر القطاعات الصناعية والزراعية وتراجع إنتاج النفط والطاقة وصعوبات التجارة والنقل، دفعت الأسعار إلى الارتفاع بصورة مستمرة، مع زيادة اعتماد الأسواق على السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج الخارجية.

 

وحافظت الأغذية على موقعها كأكبر مساهم في التضخم، فيما تصاعد تأثير السكن والطاقة والنقل مقارنة بالمراحل السابقة.

تباطؤ التضخم دون انخفاض الأسعار

وخلال الفترة الممتدة بين 2017 و2019، سجل الاقتصاد تحسناً محدوداً في النشاط الاقتصادي، إلا أن ذلك لم يؤد إلى انخفاض الأسعار، وإنما اقتصر أثره على تباطؤ وتيرة ارتفاعها.

وأرجعت الدراسة ذلك إلى استمرار الاختلالات الهيكلية في الإنتاج وسعر الصرف والتجارة الخارجية، مع بقاء الغذاء والطاقة والنقل في مقدمة القطاعات المؤثرة في التضخم.

أزمات 2020 و2021 توسع دائرة التضخم

دخل الاقتصاد السوري خلال عامي 2020 و2021 مرحلة جديدة من التضخم، بفعل تداخل عوامل داخلية وخارجية، من بينها الأزمة الاقتصادية في لبنان وجائحة كورونا وصعوبات الاستيراد والتحويلات المالية، إلى جانب استمرار تراجع قيمة الليرة.

وأوضحت الدراسة أن التضخم خلال هذه الفترة توسع ليشمل قطاعات الصحة والتعليم والاتصالات والمطاعم، فضلاً عن استمرار ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والنقل.

الطاقة والنقل يقودان موجة 2022-2024

وخلال الفترة بين 2022 و2024، انتقلت الضغوط التضخمية إلى مستوى أكثر تعقيداً مع تزامن العوامل الداخلية مع الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة.

وبحسب الدراسة، انعكست الزيادات المتكررة في أسعار المحروقات والخدمات على تكاليف النقل، قبل انتقالها إلى أسعار السلع الأساسية، ما أبقى الاقتصاد السوري في حالة تضخم مرتفع ومستمر، رغم تباطؤ وتيرة الارتفاع مقارنة ببعض المراحل السابقة.

2025.. انخفاض مؤقت ثم عودة الأسعار للارتفاع

وبشأن عام 2025، أشارت الدراسة إلى أن انخفاض الأسعار خلال النصف الأول من العام ارتبط بتحسن الوصول إلى الأسواق وتراجع بعض الاختناقات في سلاسل التوريد، إلى جانب تحسن سعر الصرف خلال جزء من السنة.

إلا أن الربع الأخير شهد عودة واضحة لارتفاع الأسعار، ما دفع الدراسة إلى وصف العام بأنه شهد "تصحيحاً سعرياً قوياً أعقبه ارتداد جزئي"، بدلاً من اعتباره عودة إلى الاستقرار السعري.

وأضافت أن تخفيف بعض العقوبات وزيادة الرواتب والمعاشات بنسبة 200% في حزيران 2025 لم يكونا كافيين، وفق البيانات الفصلية، لتغيير الاتجاه العام للتضخم.

2026.. استمرار الضغوط التضخمية

وفي قراءتها الأولية لعام 2026، توقعت هيئة التخطيط والإحصاء استمرار الضغوط التضخمية، مشيرة إلى أن الحرب الإقليمية الأخيرة تسببت بارتفاع سريع في أسعار بعض السلع بنحو 30% خلال فترة قصيرة، نتيجة اضطراب طرق الشحن وسلاسل التوريد وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.

كما ربطت الدراسة هذه التطورات بزيادة الطلب على الدولار وتراجع التحويلات المالية، الأمر الذي انعكس على سعر صرف الليرة السورية، الذي ارتفع بحسب بيانات الدراسة من 11,450 ليرة للدولار في الربع الأول إلى نحو 13,200 ليرة لاحقاً، بنسبة تقارب 15%.

وأشارت إلى أن تغيير العملة مع بداية عام 2026 لم ينعكس إيجاباً على التضخم، في حين أدى ارتفاع سعر الصرف إلى زيادة أسعار الطاقة والمحروقات، وانتقال آثارها إلى مختلف السلع والخدمات.

وبحسب الدراسة، أسهمت هذه التطورات في امتصاص الزيادة في الرواتب التي أقرت مع بداية أيار 2026، ما حد من أثرها الفعلي على القدرة الشرائية للأسر.

وخلصت هيئة التخطيط والإحصاء إلى أن التضخم في سوريا تحول خلال السنوات الخمس عشرة الماضية من ظاهرة محدودة إلى موجات حادة، قبل أن يستقر عند مستويات مرتفعة ذات طابع هيكلي.

وأكدت أن تراجع الإنتاج المحلي وتقلبات سعر الصرف وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، إلى جانب تكرار الصدمات الداخلية والخارجية، شكلت أبرز محركات التضخم، فيما بقي سعر صرف الليرة العامل الأكثر ارتباطاً بحركة الأسعار طوال فترة الدراسة.

سيرياديلي نيوز


التعليقات