لم ينهِ توحيد مؤسسات الدولة السورية بعد سقوط النظام السابق حالة التفاوت في رواتب العاملين في القطاع العام، إذ ما تزال الفجوة في الأجور قائمة بين موظفين يعملون تحت مظلة وزارة المالية نفسها، رغم أداء وظائف متشابهة وفي بعض الأحيان داخل المؤسسة ذاتها.

وتحول هذا الملف خلال الأشهر الأخيرة إلى أحد أبرز الملفات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة أمام الحكومة، في ظل مطالبات متزايدة بإقرار سلم رواتب موحد يحقق العدالة الوظيفية، بالتزامن مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، رغم الزيادات التي أقرتها الحكومة على الرواتب خلال الأشهر الماضية.

ويرجع هذا التفاوت إلى اختلاف الجهات التي كانت تشرف على المؤسسات العامة قبل توحيدها، إذ اعتمدت كل جهة سلالم رواتب وآليات صرف مختلفة. كما كان العاملون في المؤسسات المدنية والإدارات المحلية بمناطق شمال غرب سورية يتقاضون رواتب أعلى من نظرائهم في مناطق سيطرة النظام السابق، نتيجة اختلاف مصادر التمويل وسياسات الدعم، وهو واقع انتقل بعد توحيد المؤسسات إلى داخل القطاع العام.

ويقول محمد الدخيل، وهو موظف في مديرية السجل العقاري بمحافظة دير الزور، إن راتبه يبلغ نحو مليون ومئتي ألف ليرة سورية، بينما يتقاضى موظفون عُينوا حديثاً في الجهة نفسها ما يقارب ضعفي هذا المبلغ.

ويضيف أن هذا التفاوت لا يقتصر على الجانب المالي، بل ينعكس مباشرة على الحالة النفسية للعاملين، إذ يشعر أصحاب الخبرة وسنوات الخدمة الطويلة بأن خبراتهم لم تعد معياراً للتقدير الوظيفي أو المادي.

ويشير إلى أن استمرار هذه الفجوة يضعف الحافز على العمل والإنتاج، ويؤثر في بيئة العمل داخل المؤسسات الحكومية، مطالباً بإقرار سلم رواتب موحد يعتمد على سنوات الخدمة والمؤهل العلمي وطبيعة الوظيفة، بعيداً عن اختلاف جهة التعيين أو الفترة التي التحق فيها الموظف بالقطاع العام.

تشوهات تراكمت عبر سنوات

يرى الخبير الاقتصادي الدكتور محمد البهواشي أن تفاوت الأجور في القطاع العام ليس نتيجة المرحلة الحالية فقط، وإنما هو حصيلة تراكمات استمرت سنوات، في ظل غياب سياسة موحدة لإدارة الرواتب والحوافز داخل مؤسسات الدولة.

ويقول البهواشي إن المؤسسات الاقتصادية، مثل شركات النفط والاتصالات والمرافئ، كانت تمتلك موارد مالية تسمح لها بمنح حوافز وتعويضات مرتفعة للعاملين، في حين بقي موظفو القطاعات الخدمية، كالتعليم والصحة، يعتمدون على رواتب أقل بكثير، الأمر الذي وسّع الفجوة بين العاملين في القطاع العام.

ويضيف أن دخول المنظمات الدولية والوكالات الأممية لدعم بعض المؤسسات والمشاريع خلق بدوره تفاوتاً إضافياً، إذ يحصل العاملون ضمن المشاريع الممولة خارجياً على أجور تفوق بشكل كبير ما يتقاضاه الموظفون الحكوميون.

ويلفت إلى أن الحكومات المتعاقبة اعتمدت طوال السنوات الماضية على رفع قيمة التعويضات والبدلات بدلاً من إصلاح سلم الرواتب الأساسي، ما أدى إلى تشوهات كبيرة في منظومة الأجور، خصوصاً مع احتساب كثير من التعويضات وفق رواتب أساسية قديمة لم تعد تتناسب مع معدلات التضخم أو الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة.

انعكاسات اقتصادية واجتماعية

ويحذر البهواشي من أن استمرار التفاوت في الأجور انعكس بصورة مباشرة على أداء القطاع العام، إذ دفع كثيراً من أصحاب الكفاءات إلى ترك وظائفهم في قطاعات حيوية، مثل التعليم والصحة، والاتجاه نحو القطاع الخاص أو الهجرة إلى الخارج بحثاً عن دخل أفضل.

كما أدى، بحسب البهواشي، إلى تراجع مستوى الإنتاجية داخل المؤسسات الحكومية، واتساع ظاهرة البطالة المقنعة نتيجة ضعف الحوافز، فضلاً عن تعميق الفجوة الاجتماعية بين العاملين، واضطرار أعداد كبيرة منهم إلى البحث عن أعمال إضافية لتأمين احتياجات أسرهم، وهو ما ينعكس على جودة الخدمات العامة ويزيد من احتمالات انتشار الفساد الإداري.

ويرى أن معالجة هذه الاختلالات تتطلب إصلاحاً جذرياً لمنظومة الخدمة العامة، يبدأ بإصدار قانون موحد ينظم شؤون العاملين، وإعادة هيكلة سلم الرواتب وفق معايير عادلة تراعي سنوات الخدمة والكفاءة والمؤهل العلمي وطبيعة العمل.

كما يدعو إلى ربط الرواتب بمؤشرات التضخم وتكاليف المعيشة، بما يحافظ على القوة الشرائية للعاملين ويمنع تآكل دخولهم مع مرور الوقت، مؤكداً أن تحقيق العدالة في الأجور لا يمثل مطلباً وظيفياً فحسب، بل يعد أحد الشروط الأساسية لرفع كفاءة القطاع العام وتعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

وفي ظل التوجه الحكومي لإصلاح الإدارة العامة وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، يبقى توحيد سلم الرواتب أحد أكثر الملفات إلحاحاً، إذ يرى موظفون وخبراء أن نجاح أي إصلاح إداري سيظل محدوداً ما لم يرافقه نظام أجور عادل وشفاف، يضمن المساواة بين العاملين ويعيد الثقة بالوظيفة العامة بوصفها ركيزة أساسية لإعادة بناء مؤسسات الدولة السورية.

سيرياديلي نيوز


التعليقات