كشف أحدث الدراسات الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي والأمم المتحدة أن الوضع التغذوي في سورية هشّ للغاية، خصوصاً بالنسبة للأطفال دون الخامسة، والنساء الحوامل والمرضعات، والفتيات المراهقات. إذ
لم يعد نحو 80% من السوريين قادرين على تأمين غذاء كافٍ ومتنوع بشكل مستقر، ما يعني أن ثمانية من كل عشرة يعيشون حالة انعدام أمن غذائي مزمن، مع غياب ضمانات يومية للحصول على وجبات كافية وآمنة.
في تحديثه الصادر في 4 مارس/آذار 2026، والذي يغطي شهر يناير/كانون الثاني، يشير البرنامج إلى مفارقة لافتة: تحسّن طفيف في بعض المؤشرات، يقابله استمرار العجز العميق لدى غالبية السكان، فقد ارتفعت نسبة الأسر الآمنة غذائياً من 11% في عام 2024 إلى 18% في 2025، إلا أن هذا التحسن لا يغيّر من حقيقة أن الغالبية الساحقة لا تزال غير قادرة على تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية.
وخلال يناير/كانون الثاني 2026، وصل برنامج الأغذية العالمي إلى 6.7 ملايين شخص داخل سورية، بينهم 48% من الذكور و52% من الإناث، ووزّع نحو 36 ألفاً و700 طن من المواد الغذائية. كما ضخّ نحو 20 مليون دولار في الاقتصاد المحلي عبر تحويلات نقدية، بمتوسط 100 دولار لكل أسرة مستفيدة، في محاولة لدعم القدرة الشرائية المنهارة.
ورغم هذه الجهود، لا تزال الاحتياجات هائلة، إذ يحتاج 6.4 ملايين شخص إلى مساعدات غذائية يومية للبقاء على قيد الحياة، فيما يعتمد نحو 4 ملايين على الخبز المدعوم كمصدر أساسي للغذاء. ويبرز الأطفال بوصفهم الفئة الأكثر هشاشة، حيث يعاني نحو 600 ألف طفل دون الخامسة من سوء تغذية حاد، بينهم 177 ألف طفل في حالة هزال شديد يهدد حياتهم مباشرة. كما تجاوز عدد الأطفال الذين يعانون من التقزم 690 ألفاً، بعد ارتفاع معدلاته من 12.6% عام 2019 إلى 16.1% في 2023، ما يعكس آثاراً طويلة الأمد على النمو والصحة والإنتاجية المستقبلية.
وتزداد الصورة قتامة في ظل ضعف الخدمات التغذوية، إذ أظهر مسح أُجري في فبراير/شباط 2025 أن أقل من ربع السكان يحصلون على خدمات التغذية الأساسية، بما في ذلك الفحص والعلاج والإرشاد الغذائي، مع وجود فجوات كبيرة في التغطية خصوصاً في محافظات السويداء والحسكة والرقة ودير الزور وريف دمشق ودرعا، إضافة إلى مناطق واسعة من حماة وحمص وإدلب وحلب.
ولا تقتصر الأزمة على نقص الغذاء، بل تمتد إلى طبيعة الأنظمة الغذائية، حيث تعتمد معظم الأسر على البقوليات والأطعمة النشوية، مع محدودية شديدة في استهلاك اللحوم ومنتجات الألبان والفواكه، نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
وفي موازاة ذلك، يواجه قطاع التغذية تحديات تمويلية حادة تهدد استمراريته، ويحتاج برنامج الأغذية العالمي إلى 175 مليون دولار لتغطية عملياته خلال الأشهر الستة المقبلة، من أصل 473.6 مليون دولار هي إجمالي احتياجاته للنصف الأول من 2026، مع تحذير من أن أي تأخر أو نقص في التمويل سيؤدي إلى تقليص المساعدات ودفع ملايين إضافية نحو الجوع الحاد.
وقد تفاقمت الأزمة مع تراجع التمويل الدولي، بما في ذلك تعليق الولايات المتحدة لبعض أشكال الدعم، ما أدى إلى فجوات كبيرة في تقديم الخدمات، خاصة في شمال البلاد. وتشير البيانات إلى أن 416 ألف طفل في شمال غرب وشمال شرق سورية أصبحوا أكثر عرضة لخطر سوء التغذية، فيما بقيت 1909 حالات هزال شديد دون علاج بسبب نقص التمويل لمراكز الاستقرار.
وفي شمال غرب سورية، تأثر 13 مشروعاً تغذوياً تنفذها 8 جهات شريكة، ما انعكس على أكثر من 40 ألف طفل و17 ألفاً و705 نساء حوامل ومرضعات، كما تعطلت خدمات 17 منشأة صحية و116 فريقاً متنقلاً، وانقطعت خدمات التغذية عن 213 مجتمعاً محلياً، بما في ذلك 5 مراكز متخصصة بعلاج سوء التغذية الحاد الوخيم.
وأكدت هند قبوات، وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، أن "نحو 80% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وأن الفجوة بين مستويات الدخل وتكاليف المعيشة تتسع يومياً، ما يجعل تأمين الغذاء المتوازن شبه مستحيل بالنسبة لغالبية الأسر". وأضافت أن الرواتب لا تزال منخفضة جداً رغم زيادتها مؤخراً بنسبة 100%، إذ تتراوح بين 200 و300 دولار، في حين يبلغ متوسط إيجار المنزل في دمشق نحو 1000 دولار.
سيرياديلي نيوز- خاص
2026-04-04 16:25:35
