بعد سنوات من النزوح والعيش في المخيمات، يعود ملف المهجّرين السوريين إلى الواجهة مع تحركات حكومية وأممية تهدف إلى إنهاء واقع المخيمات وتشجيع العائلات على العودة إلى مناطقها الأصلية.
لكن العودة لا تبدو مهمة سهلة بالنسبة إلى آلاف العائلات، في ظل انتشار المنازل المدمرة والمتضررة، وضعف الخدمات الأساسية، وارتفاع تكاليف السكن، فضلاً عن محدودية فرص العمل ومصادر الدخل.
وبينما تتسارع وتيرة العودة في بعض المناطق، تبرز تساؤلات حول قدرة العائدين على تأمين حياة مستقرة، وما إذا كانت خطط العودة الحالية تترافق مع توفير السكن والخدمات والعمل، أم أنها ستنقل المهجّرين من المخيمات إلى مناطق تفتقر إلى مقومات الحياة.
منازل مدمرة وخدمات غائبة
يقول الصحفي وليد الزعل، المقيم في فرنسا، إن التعامل مع ملف المهجّرين يحتاج إلى التمييز بين من لا يزال منزله قائماً ومن فقد منزله نتيجة القصف والعمليات العسكرية خلال سنوات الحرب.
ويشير الزعل إلى أن كثيراً من الذين دُمرت منازلهم لا يملكون القدرة المالية على إعادة بنائها، بل إن بعضهم غير قادر حتى على تحمل تكاليف إزالة الأنقاض، ما يجعل تدخل الدولة والجهات الدولية في ملف السكن وإعادة الإعمار أمراً ضرورياً.
ويرى أن العودة بالنسبة إلى من لا يزال منزله قائماً تبقى أسهل، لكنها تصطدم بمشكلة الخدمات، إذ تعاني مناطق واسعة من ضعف أو انقطاع المياه والكهرباء وتردي الطرق والخدمات العامة.
ويحذر الزعل من أن ارتفاع الطلب على المساكن بالتزامن مع عودة المهجّرين قد يؤدي إلى ارتفاع الإيجارات، ما يزيد الأعباء على الأسر التي لا تملك دخلاً ثابتاً.
ويؤكد أن توفير منزل وحده لا يكفي لضمان العودة، داعياً إلى تأمين البنية التحتية الأساسية وفرص العمل ودعم الأسر محدودة الدخل، إلى جانب معالجة أوضاع الموظفين المفصولين وإعادة دمجهم في سوق العمل.
العمل.. شرط للاستقرار
لا ترتبط صعوبة العودة بالسكن وحده، إذ يمثل فقدان مصدر الدخل أحد أبرز العوائق أمام المهجّرين.
ويقول الباحث والمحلل السياسي مصطفى الدروبي إن آلاف السوريين عاشوا سنوات في مخيمات الشمال وسط ظروف إنسانية واقتصادية صعبة، وإن العودة إلى مناطقهم الأصلية ينبغي أن تترافق مع إعادة تأهيل تلك المناطق وتأمين مقومات الحياة الأساسية.
ويرى الدروبي أن بعض العائلات العائدة تجد نفسها أمام منازل غير صالحة للسكن، في وقت لا تمتلك فيه المال اللازم لإعادة الإعمار، ما يجعل الخوف من العودة إلى العراء أحد أبرز أسباب التردد لدى سكان المخيمات.
ويشير إلى أن تأمين العمل لا يقل أهمية عن تأمين المسكن، لأن العائد الذي لا يملك دخلاً لن يتمكن من تأمين احتياجات أسرته أو ترميم منزله.
وتزداد المشكلة، بحسب الدروبي، في المناطق الريفية التي فقد فيها كثير من المهجّرين أراضيهم ومصادر رزقهم، بالتزامن مع الصعوبات التي يعانيها القطاع الزراعي نتيجة نقص المياه والأسمدة والمحروقات.
العودة التدريجية كحل
ويقترح الدروبي اعتماد آلية تدريجية لإعادة إسكان المهجّرين بدلاً من انتظار إعادة إعمار كاملة قد تستغرق سنوات.
ويتمثل ذلك، وفق رؤيته، في تأهيل الحد الأدنى من المساكن المتضررة، كإعادة بناء غرفة أو جزء قابل للسكن، وتأمين المياه والكهرباء، ثم استكمال أعمال الترميم والبناء تدريجياً وفق الإمكانات المتاحة.
ويرى أن هذا النهج قد يتيح للعائلات العودة إلى مناطقها، وإعادة الأطفال إلى المدارس، واستعادة جزء من الحياة الطبيعية، بالتوازي مع استمرار مشاريع إعادة الإعمار على المدى الطويل.
كما يشدد على ضرورة توفير مساعدات مالية وعينية ومواد بناء، مع إعطاء الأولوية للأسر المقيمة في المخيمات والأكثر تضرراً.
إعادة الإعمار تحتاج إلى بيئة مستقرة
وتتجاوز احتياجات سوريا في مرحلة ما بعد الحرب إعادة بناء المنازل، لتشمل قطاعات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرق والمستشفيات والمنشآت العامة.
ويؤكد الدروبي أن جذب الاستثمارات اللازمة لإعادة الإعمار يرتبط بالاستقرار السياسي والأمني ووجود بيئة قانونية واضحة، إلى جانب الشفافية والحوكمة في إدارة الأموال والمساعدات.
ويحذر من أن غياب الشفافية قد يضعف ثقة السوريين والجهات المانحة والمستثمرين بعملية إعادة الإعمار، مشدداً على أهمية نشر بيانات واضحة حول حجم المساعدات وأوجه إنفاقها.
إنهاء المخيمات لا يعني انتهاء النزوح
وبينما تركز الجهود الحكومية والأممية على تقليص أعداد المخيمات وتشجيع السكان على العودة، فإن إنهاء المخيمات لا يعني بالضرورة انتهاء أزمة النزوح.
فالعودة المستدامة تحتاج إلى أكثر من نقل العائلات إلى مناطقها الأصلية؛ إذ تتطلب منزلاً صالحاً للسكن، ومياهاً وكهرباء وطرقاً ومدارس وخدمات صحية، إضافة إلى مصدر دخل وضمان حقوق الملكية وبيئة آمنة ومستقرة.
ويحذر مراقبون من أن تجاهل هذه العوامل قد يؤدي إلى تحول العودة إلى نزوح اقتصادي جديد، خصوصاً إذا وجد العائدون أنفسهم أمام منازل مدمرة أو إيجارات مرتفعة وغياب فرص العمل.
وبعد سنوات من النزوح، تبدو معادلة العودة بالنسبة إلى كثير من المهجّرين واضحة: **الهدف ليس مغادرة المخيم فحسب، بل القدرة على العودة إلى منزل آمن، وتأمين مصدر دخل وخدمات أساسية، والعيش بكرامة واستقرار.**
وبذلك، فإن نجاح رؤية "سوريا بلا مخيمات" لن يقاس بعدد العائدين فقط، وإنما بقدرة الدولة والجهات الدولية على تحويل العودة من خطوة جغرافية إلى استقرار فعلي ومستدام.
العودة من المخيمات إلى سوريا.. هل تكفي العودة لإنهاء معاناة المهجّرين؟
بعد سنوات من النزوح والعيش في المخيمات، يعود ملف المهجّرين السوريين إلى الواجهة مع تحركات حكومية وأممية تهدف إلى إنهاء واقع المخيمات وتشجيع العائلات على العودة إلى مناطقها الأصلية.
لكن العودة لا تبدو مهمة سهلة بالنسبة إلى آلاف العائلات، في ظل انتشار المنازل المدمرة والمتضررة، وضعف الخدمات الأساسية، وارتفاع تكاليف السكن، فضلاً عن محدودية فرص العمل ومصادر الدخل.
وبينما تتسارع وتيرة العودة في بعض المناطق، تبرز تساؤلات حول قدرة العائدين على تأمين حياة مستقرة، وما إذا كانت خطط العودة الحالية تترافق مع توفير السكن والخدمات والعمل، أم أنها ستنقل المهجّرين من المخيمات إلى مناطق تفتقر إلى مقومات الحياة.
منازل مدمرة وخدمات غائبة
يقول الصحفي وليد الزعل، المقيم في فرنسا، إن التعامل مع ملف المهجّرين يحتاج إلى التمييز بين من لا يزال منزله قائماً ومن فقد منزله نتيجة القصف والعمليات العسكرية خلال سنوات الحرب.
ويشير الزعل إلى أن كثيراً من الذين دُمرت منازلهم لا يملكون القدرة المالية على إعادة بنائها، بل إن بعضهم غير قادر حتى على تحمل تكاليف إزالة الأنقاض، ما يجعل تدخل الدولة والجهات الدولية في ملف السكن وإعادة الإعمار أمراً ضرورياً.
ويرى أن العودة بالنسبة إلى من لا يزال منزله قائماً تبقى أسهل، لكنها تصطدم بمشكلة الخدمات، إذ تعاني مناطق واسعة من ضعف أو انقطاع المياه والكهرباء وتردي الطرق والخدمات العامة.
ويحذر الزعل من أن ارتفاع الطلب على المساكن بالتزامن مع عودة المهجّرين قد يؤدي إلى ارتفاع الإيجارات، ما يزيد الأعباء على الأسر التي لا تملك دخلاً ثابتاً.
ويؤكد أن توفير منزل وحده لا يكفي لضمان العودة، داعياً إلى تأمين البنية التحتية الأساسية وفرص العمل ودعم الأسر محدودة الدخل، إلى جانب معالجة أوضاع الموظفين المفصولين وإعادة دمجهم في سوق العمل.
العمل.. شرط للاستقرار
لا ترتبط صعوبة العودة بالسكن وحده، إذ يمثل فقدان مصدر الدخل أحد أبرز العوائق أمام المهجّرين.
ويقول الباحث والمحلل السياسي مصطفى الدروبي إن آلاف السوريين عاشوا سنوات في مخيمات الشمال وسط ظروف إنسانية واقتصادية صعبة، وإن العودة إلى مناطقهم الأصلية ينبغي أن تترافق مع إعادة تأهيل تلك المناطق وتأمين مقومات الحياة الأساسية.
ويرى الدروبي أن بعض العائلات العائدة تجد نفسها أمام منازل غير صالحة للسكن، في وقت لا تمتلك فيه المال اللازم لإعادة الإعمار، ما يجعل الخوف من العودة إلى العراء أحد أبرز أسباب التردد لدى سكان المخيمات.
ويشير إلى أن تأمين العمل لا يقل أهمية عن تأمين المسكن، لأن العائد الذي لا يملك دخلاً لن يتمكن من تأمين احتياجات أسرته أو ترميم منزله.
وتزداد المشكلة، بحسب الدروبي، في المناطق الريفية التي فقد فيها كثير من المهجّرين أراضيهم ومصادر رزقهم، بالتزامن مع الصعوبات التي يعانيها القطاع الزراعي نتيجة نقص المياه والأسمدة والمحروقات.
العودة التدريجية كحل
ويقترح الدروبي اعتماد آلية تدريجية لإعادة إسكان المهجّرين بدلاً من انتظار إعادة إعمار كاملة قد تستغرق سنوات.
ويتمثل ذلك، وفق رؤيته، في تأهيل الحد الأدنى من المساكن المتضررة، كإعادة بناء غرفة أو جزء قابل للسكن، وتأمين المياه والكهرباء، ثم استكمال أعمال الترميم والبناء تدريجياً وفق الإمكانات المتاحة.
ويرى أن هذا النهج قد يتيح للعائلات العودة إلى مناطقها، وإعادة الأطفال إلى المدارس، واستعادة جزء من الحياة الطبيعية، بالتوازي مع استمرار مشاريع إعادة الإعمار على المدى الطويل.
كما يشدد على ضرورة توفير مساعدات مالية وعينية ومواد بناء، مع إعطاء الأولوية للأسر المقيمة في المخيمات والأكثر تضرراً.
إعادة الإعمار تحتاج إلى بيئة مستقرة
وتتجاوز احتياجات سوريا في مرحلة ما بعد الحرب إعادة بناء المنازل، لتشمل قطاعات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرق والمستشفيات والمنشآت العامة.
ويؤكد الدروبي أن جذب الاستثمارات اللازمة لإعادة الإعمار يرتبط بالاستقرار السياسي والأمني ووجود بيئة قانونية واضحة، إلى جانب الشفافية والحوكمة في إدارة الأموال والمساعدات.
ويحذر من أن غياب الشفافية قد يضعف ثقة السوريين والجهات المانحة والمستثمرين بعملية إعادة الإعمار، مشدداً على أهمية نشر بيانات واضحة حول حجم المساعدات وأوجه إنفاقها.
إنهاء المخيمات لا يعني انتهاء النزوح
وبينما تركز الجهود الحكومية والأممية على تقليص أعداد المخيمات وتشجيع السكان على العودة، فإن إنهاء المخيمات لا يعني بالضرورة انتهاء أزمة النزوح.
فالعودة المستدامة تحتاج إلى أكثر من نقل العائلات إلى مناطقها الأصلية؛ إذ تتطلب منزلاً صالحاً للسكن، ومياهاً وكهرباء وطرقاً ومدارس وخدمات صحية، إضافة إلى مصدر دخل وضمان حقوق الملكية وبيئة آمنة ومستقرة.
ويحذر مراقبون من أن تجاهل هذه العوامل قد يؤدي إلى تحول العودة إلى نزوح اقتصادي جديد، خصوصاً إذا وجد العائدون أنفسهم أمام منازل مدمرة أو إيجارات مرتفعة وغياب فرص العمل.
وبعد سنوات من النزوح، تبدو معادلة العودة بالنسبة إلى كثير من المهجّرين واضحة: **الهدف ليس مغادرة المخيم فحسب، بل القدرة على العودة إلى منزل آمن، وتأمين مصدر دخل وخدمات أساسية، والعيش بكرامة واستقرار.**
وبذلك، فإن نجاح رؤية "سوريا بلا مخيمات" لن يقاس بعدد العائدين فقط، وإنما بقدرة الدولة والجهات الدولية على تحويل العودة من خطوة جغرافية إلى استقرار فعلي ومستدام.
سيرياديلي نيوز
2026-08-15 15:35:16
