شهدت سوريا خلال الأشهر الأخيرة سلسلة من الحوادث الأمنية وأعمال العنف التي طالت أفراداً من مكونات اجتماعية ودينية مختلفة، بالتزامن مع تزايد المخاوف المتعلقة بقضايا الملكية والعودة الآمنة للنازحين ومستقبل التعايش بين
السوريين.
وتقول منظمات حقوقية إن هذه التطورات أعادت إلى الواجهة نقاشاً متجدداً حول شكل الدولة السورية ومستقبل إدارتها السياسية والإدارية.
حوادث أمنية ومخاوف متزايدة :
بحسب تقارير صادرة عن منظمات حقوقية مستقلة, قُتل عشرات الأشخاص منذ بداية العام الجاري في حوادث قتل واختطاف واعتداءات مختلفة، بعضها ارتبط بخلفيات طائفية أو دينية وفق ما ذكرته تلك التقارير.
كما تم توثيق حوادث وقعت في عدد من المحافظات السورية، من بينها حماة وحمص وريف دمشق، وأسفرت عن سقوط ضحايا وإصابات بين مدنيين من مكونات مختلفة.
وفي هذا السياق، أشارت وسائل إعلامية ومنظمات إنسانية إلى وقوع حوادث استهدفت أفراداً من الطائفتين العلوية والدرزية، إضافة إلى مسيحيين في مناطق متفرقة من البلاد، معتبراً أن هذه الوقائع تعكس استمرار حالة التوتر والاحتقان التي تشهدها بعض المناطق السورية.
خطاب الكراهية على وسائل التواصل :
وتلفت تقارير حقوقية إلى تصاعد خطاب الكراهية والتحريض على منصات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك منشورات تضمنت دعوات للعنف أو الإقصاء بحق مجموعات اجتماعية ودينية مختلفة. وترى تلك المنظمات أن مواجهة هذا الخطاب تمثل ضرورة أساسية للحفاظ على السلم الأهلي ومنع انتقال التوترات من الفضاء الإلكتروني إلى الواقع الميداني.
كما تدعو منظمات حقوقية إلى تطبيق القوانين بصورة متساوية على جميع الأطراف، وملاحقة المحرضين على العنف والكراهية بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو الاجتماعية، بما يسهم في تعزيز الثقة بين مختلف مكونات المجتمع السوري.
الجدل حول الملكيات وعودة النازحين :
ومن الملفات التي تثير نقاشاً واسعاً بين السوريين قضية الملكيات العقارية وحقوق النازحين والمهجرين.
وتشير تقارير حقوقية إلى وجود مخاوف لدى شرائح من السكان بشأن إمكانية استعادة ممتلكاتهم أو تثبيت حقوقهم القانونية بعد سنوات طويلة من النزاع والنزوح.
كما تتحدث بعض المنظمات عن حالات نزاع مرتبطة بالأملاك والعقارات في عدد من المناطق السورية، وتدعو إلى توفير ضمانات قانونية واضحة وشفافة تضمن حقوق جميع المواطنين وتسهل عودة النازحين بصورة آمنة وطوعية، وفق المعايير الدولية المعتمدة.
وترى جهات حقوقية أن معالجة هذا الملف تشكل شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، في حين تؤكد أطراف أخرى أهمية معالجة هذه القضايا ضمن الأطر القانونية والمؤسساتية المعتمدة.
أحداث الساحل والسويداء :
ويشير عدد من التقارير الحقوقية والدولية إلى أن العام الماضي شهد أحداثاً دامية في مناطق مختلفة من سوريا، من بينها مناطق الساحل السوري ومحافظة السويداء، حيث سقط عدد كبير من الضحايا خلال مواجهات وأعمال عنف شهدتها تلك المناطق.
وقد دعت منظمات حقوقية وهيئات دولية إلى إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في الانتهاكات التي رافقت تلك الأحداث، كما أكدت الحكومة السورية على العمل على محاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات، إضافة إلى اتخاذ خطوات تمنع تكرارها مستقبلاً وتحمي المدنيين من مختلف المكونات.
كما أثارت تلك التطورات مخاوف متزايدة لدى الأقليات السورية بشأن الضمانات الأمنية ومستقبل العلاقة بينها وبين مؤسسات الدولة، الأمر الذي دفع العديد من الشخصيات السياسية والحقوقية إلى طرح رؤى مختلفة لمعالجة هذه الهواجس.
الفيدرالية بين التأييد والرفض :
في ظل هذه التطورات، عاد الحديث عن الفيدرالية أو اللامركزية الموسعة إلى واجهة النقاش السياسي السوري.
ويرى مؤيدو هذا الطرح أن منح صلاحيات أوسع للإدارات المحلية قد يسهم في تعزيز المشاركة السياسية وتحسين إدارة الموارد والخدمات وتوفير ضمانات إضافية للمكونات المختلفة.
ويستند أنصار هذا الخيار إلى نماذج دولية متعددة، مثل العراق وسويسرا وألمانيا والهند والبوسنة والهرسك، معتبرين أن توزيع الصلاحيات بين المركز والأقاليم ساهم في الحفاظ على وحدة الدولة وإدارة التنوع القومي أو الديني أو الثقافي في تلك البلدان.
وفي المقابل، ترى أطراف سياسية أخرى أن أي توجه نحو الفيدرالية قد يثير مخاوف تتعلق بوحدة البلاد ومستقبل مؤسساتها، وتؤكد أن الأولوية يجب أن تكون لبناء دولة موحدة قادرة على استيعاب جميع مكوناتها ضمن إطار وطني جامع.
مطالب بعض المكونات السورية :
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت عدة مناطق ومؤتمرات سياسية ومدنية نقاشات حول أشكال مختلفة من اللامركزية الإدارية والسياسية.
ويقول مشاركون في هذه الفعاليات إن الهدف يتمثل في إيجاد صيغة دستورية تضمن التعددية الدينية والثقافية وتعزز المشاركة المحلية في إدارة الشؤون العامة.
ويعتبر مؤيدو هذه الطروحات أن المركزية الشديدة لم تنجح في معالجة الأزمات التي شهدتها البلاد خلال العقود الماضية، بينما يرى معارضوها أن الإصلاح السياسي والمؤسساتي يمكن أن يتحقق ضمن إطار الدولة المركزية من دون الحاجة إلى تغيير شكل النظام الإداري للدولة.
أي مستقبل سياسي وإداري لسوريا؟
يبقى النقاش حول الفيدرالية واللامركزية جزءاً من الحوار الأوسع حول مستقبل سوريا بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام.
وبين من يرى في هذه الطروحات فرصة لتعزيز الاستقرار وحماية التنوع، ومن يخشى أن تؤدي إلى مزيد من الانقسام، تتفق معظم الآراء على أن تحقيق الأمن وسيادة القانون وضمان حقوق جميع المواطنين يمثل الأساس لأي حل سياسي مستدام.
وفي ظل استمرار التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية، يظل السؤال المطروح هو كيفية بناء صيغة وطنية تضمن مشاركة جميع المكونات السورية وتحافظ في الوقت نفسه على وحدة البلاد واستقرارها على المدى الطويل.
سيرياديلي نيوز_صحافي و كاتب سياسي_ د. مناف سعد
2026-06-12 12:45:39
