كثرت الوعود الحكومية بما يخص تحسن واقع الكهرباء المأساوي، وفي ذات الوقت تتزايد التصريحات- حول الإعلان عن أرقام تراجع جديدة تمس هذا القطاع- والنقيضة لتلك الوعود، لتسد الأفق أمام أي انفراج قريب، بل لتنذر باستمرار تعمق مأساة الواقع الكهربائي وتبعاته على مستوى معيشة المواطن السوري، المتدهورة أصلاً!
تصريحات تناقضية ومبررات
فبعد أن أطلق وزير الكهرباء تصريحات خلال وقت سابق، تعد المواطن بتحسن في واقع الطاقة الكهربائية خلال شهر نيسان الماضي، تم الإعلان في منتصف شهر نيسان أن ازدياد ساعات التقنين الكهربائي ناجم عن تراجع إنتاج الكهرباء من 2,400 ميغاواط إلى نحو 1,900 ميغاواط، وذلك بسبب تخفيض كمية الغاز الواردة من وزارة النفط إلى وزارة الكهرباء، دونما تبرير منطقي لذلك، وترافق ذلك مع وعود جديدة لتحسن الكهرباء مع بداية شهر حزيران القادم بسبب دخول جزء من محطة حلب في الخدمة!
ليكشف مصدر في الوزارة يوم 19 من الشهر الجاري أن التراجع الحاصل يعود بسبب «عودة معمل الأسمدة لاستجرار نحو 1,2 مليون متر مكعب من الغاز يومياً، إضافة إلى خروج جزء من مجموعات التوليد في بانياس على الخدمة، وبالتزامن مع انخفاض نسبي في كفاءة توليد مجموعات التوليد بحدود 20% بسبب ارتفاع درجات الحرارة، يضاف إلى ذلك ارتفاع الطلب على الكهرباء خلال الأيام الأخيرة لتشغيل المكيفات والبرادات وغيرها بسبب ارتفاع حرارة الطقس»!
الأفق المسدود
التصريحات أعلاه، أغلقت الباب أمام أي تفاؤل بانفراج على المدى القريب أو حتى البعيد، والأسباب المذكورة أعلاه لا تمت للواقع بأية صلة، بل تترجم مستوى تدني وانعدام المسؤولية، فلا يوجد مبرر لانخفاض حجم التوليد لحدود 1900 ميغا واط، بينما الإمكانات متاحة لتوليد 4700 ميغا واط، بالإضافة إلى عمليات الصيانة المتلاحقة والمتتابعة من قبل الوزارة، والتي ستزيد إمكانية التوليد لاحقاً حسب تصريحات رسمية، لمجرد الحديث عن تراجع كميات الغاز المستجرّة من قبل وزارة النفط لحدود 8 ملايين متر مكعب يومياً، ثم نحو 7 ملايين متر مكعب، والمبرر نقص كميات الغاز، وهذا ما يدخل بتناقض مع واقع التصريحات السابقة أيضاً التي أكدت اكتشاف 5 آبار غاز جديدة، والتي سيتم استثمارها لتوليد الكهرباء وليس لإنتاج الغاز المنزلي!
وأما عن تناقص كفاءة التوليد 20% نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الطلب على الكهرباء لتشغيل المكيفات والبرادات، فإنها حجج مردودة، فمن المعروف أنه خلال فترة الربيع تتحسن القدرة على توليد الكهرباء، بسبب انخفاض الكميات المستجرة نتيجة لاعتدال درجات الحرارة.
وإن كانت الكفاءة قد انخفضت بنسبة 20% خلال أشهر الربيع، فكم ستنخفض خلال أشهر الصيف القادمة، مع ذروة ارتفاع درجات الحرارة؟
وفقاً لذلك فإن تخبّط التصريحات وتعارضها يظهر للمواطن وكأن وزارة الكهرباء قد فقدت ملكية القرار، بل باتت جهة تنفذ مجموعة قرارات تخدم مصالح كبار الفاسدين والحيتان ممن راكموا ثروتهم عبر نهب الشعب السوري، وعلى حساب مصلحته الوطنية.
الكهرباء متوفرة ولكن!
تعدت مبررات تردي وضع الشبكة الكهربائية في سورية أسباب نقص كميات الغاز المستجرة، وغيرها من الحجج الواهية التي اعتدنا على سماعها، لترتقي لمستوى أعلى وأكثر استفزازاً.
فقد صرح وزير الكهرباء خلال كلمة له ضمن فعاليات المؤتمر الأول للاستثمار في قطاع الكهرباء والطاقات المتجددة «طالما أن الدعم المخصص للكهرباء مهول وكبير بهذا الحجم سيكون هناك عدم توجه وقدرة لرفع كفاءة الطاقة وذلك بسبب انخفاض قيمة هذه السلعة ما جعلها سلعة مستباحة من قبل كل القطاعات المنزلية والصناعية».
ما جاء ضمن تصريح الوزير يرتقي لمستوى اللامبالاة بحاجات المواطنين، واعتراف ضمني أنه لا تحسن سيطال قطاع الكهرباء طالما أنها تخضع لسياسة الدعم الحكومي، والمقصود هنا بالدعم المهول حسب تعبير الوزير، أي حصة المواطن من الكهرباء المدعومة التي لا تتعدى في بعض المناطق ساعة وصل يومياً، وفي مناطق أخرى لا تتجاوز في أحسن الأحوال 5 ساعات وصل!
فالكهرباء حالها كحال «الغاز المنزلي– المحروقات– المواد التموينية- والخبز» أي السلع المدرجة ضمن قائمة الدعم الحكومي الاسمي، التي بدأت تطبق عليها سياسات تخفيض الدعم المتتالي منذ عقود مضت وحتى الآن، وتؤكد الحكومة عبر أفعالها عزمها على إنهائه بشكل كامل، فحديث رئيس الحكومة أعلاه بجوهره ليس بعيداً عن حديث أي تاجر لأية سلعة، وليس كونه مسؤولاً عن خدمة عامة قبل أن تكون سلعة!
ولعل الحديث الرسمي عن الخطوط الذهبية المعفاة من التقنين لا يخرج عن هذا الجوهر، تاجر وسلعة، وليس خدمة واحتياجات وإنتاج واقتصاد.
ما وراء الحقيقة
المشكلة إذاً، لا تكمن بنقص كميات الغاز أو ندرتها، وهذا الكلام ينطبق على كافة المواد المدعومة حكومياً، إنما المشكلة تكمن بالتوجه الحكومي نحو استكمال إنهاء الدعم عن كافة القطاعات، والتوجه نحو خصخصة قطاع الدولة تباعاً، في مسايرة تنفيذية لتوصيات صندوق النقد والبنك الدوليين، تم الاعتراف بذلك رسمياً أم لم يتم!
فالفساد الكبير والنهب المتراكم عبر عقود، يعمل على حماية عمليات نهبه لمقدرات البلاد وللمواطن السوري بطرق مقوننة أو ملتفة من أجل توسيعها، تحت شعارات ويافطات مختلفة، بما في ذلك استثمار القطاعات الخاسرة، وخير مثال على ذلك القانون رقم 32، الذي يتيح الاستثمار في الطاقات المتجددة على مستوى الإنتاج والتوزيع، فهو بوابة لتشريع خصخصة إنتاج وتوزيع الطاقة الكهربائية، وليس انتهاءً بتجارة الأمبيرات غير المقوننة حتى الآن لكنها باتت شبه مشرعنة بالطرق الإدارية، والتي ابتدعتها الحاجة الملحة للطاقة الكهربائية والمصلحة العليا لكبار حيتان الفساد والنهب.
هل من حلول؟!
إن استمرار الوضع الكهربائي على ما هو عليه يعني القضاء على ما تبقى من قطاعات إنتاجية (صناعية وزراعية وحرفية- صغيرة ومتوسطة وكبيرة) ما زالت صامدة حتى الآن، ويعني السير قدماً نحو إنهاء ما تبقى من دعم على هذا القطاع، وصولاً إلى استكمال خصخصته بحجة عدم توفر الموارد وغيرها من الذرائع الكثيرة الأخرى، مع ما يترتب على ذلك من نتائج وخيمة وكارثية على كافة المستويات، الإنتاجية والتجارية والخدمية والمعيشية و.. والاقتصادية عموماً.
ولعله من المفروغ منه أن الحلول الجدية المنقذة لهذا القطاع الحيوي والهام والإستراتيجي والسيادي متاحة، رغم كل ما يقال عكس ذلك عن محدوديتها وكلفها العالية!
ونتساءل بهذا الصدد على سبيل المثال:
أين الحديث عن التوجه شرقاً بما يخص قطاع الكهرباء، أو غيره من القطاعات الحيوية الأخرى؟
فهل من الصعوبة على الحكومة مثلاً أن تنجز اتفاقاً مباشراً مع الصين كدولة باعتبارها من رواد الدول في هذا القطاع، أو غيرها من الدول الصديقة، وبما يضمن استمرار سيادة الدولة على هذا القطاع، بدلاً من التفريط به كحال قطاع الاتصالات الخليوية سابقاً؟
لا شك أن ذلك ممكن، لكنه يتطلب قراراً سياسياً فاعلاً يدعم الحلول الجدية المتاحة والممكنة له، واضعاً مصلحة المواطن والإنتاج والوطن فوق كل اعتبار، وفوق كل الاعتبارات الخاصة بأصحاب المصالح الخاصة والضيقة، أي ضرب مصالح الحيتان والمتنفذين الكبار عملياً، أي وبكل اختصار البدء بعملية التغيير الجذرية المطلوبة والمنشودة.

سيريا ديلي نيوز


التعليقات