تكاليف النقل والإنتاج مسوغات غير كافيـة لهذا الغلاء الفاحش

منذ بداية موسم الشتاء لا تزال تشهد أسواق اللاذقية تصاعداً جنونياً في أسعار الألبسة والأحذية ،

الأمر الذي شكل عبئاً كبيراً على المواطنين من ذوي الدخل المحدود, والتشكيلة الواسعة التي يطرحها أصحاب المحلات لا تشجع أبداً المواطن على الشراء بسبب غلاء ثمنها، وحجج وتبريرات أصحاب الألبسة دائماً جاهزة, فالغلاء سببه كما يبررون يعود بالدرجة الأولى للارتفاع الكبير في تكاليف الإنتاج، وارتفاع أجور اليد العاملة والأهم من هذا كله ارتفاع أجور النقل ولاسيما في هذه الظروف التي تمر بها البلاد, إضافة إلى غلاء المواد المستوردة من الخيوط والأقمشة وحتى الألبسة الجاهزة التي يستوردونها وغيرها.+

ليست كافية

 ولا يجد بعض الباعة نسب الأرباح المقررة كما حددتها وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك بالقرار رقم 169 مناسبة أو كافية، بينما وجدها آخرون مناسبة و يعملون على تطبيقها, وبحسب أحد الباعة فإن هذه الأسعار معقولة جداً مقارنة مع ما ننفقه من آجار المحلات وفواتير الخدمات، وأنه يطبق نسب الأرباح المحددة في القرار 169, بينما قال بائع آخر: إنه من الطبيعي أن تكون الأسعار مرتفعة وأن سعر الجاكيت التي يبيعها بـ 20 ألف ليرة سورية عادي مقارنة مع ارتفاع تكاليف الاستيراد وأن النسبة المحددة من قبل وزارة التجارة الداخلية لا تنصف تاجر الجملة والمفرق لأنه وكما يقول: نفقات كبيرة تقع على عاتق البائع من أجور نقل البضاعة وآجار المحل وفواتير الكهرباء وغيرها، ويقول بائع ألبسة آخر: في محله يمكن أن يصل سعر الجاكيت الواحدة إلى 30 ألفاً لكونها مستوردة وهذا أمر طبيعي فالقماش الأجنبي ليس كالوطني.

أما المستوى العام للأسعار فيتحدد كما يقول د. فادي عياش المستشار والخبير الاقتصادي، بتضافر عدة عوامل أهمها: طبيعة النظام الاقتصادي السائد ، وتوازنات قوى العرض والطلب، ومستوى الدخل، ومستوى الإنتاج السلعي والخدمي، والسياسات المالية والنقدية المتبعة ولاسيما أسعار الفائدة ونسب الربح والأجور وأسعار الصرف والضرائب، إضافة إلى عوامل ثقافية و اجتماعية لا تقل أهمية ولاسيما مستوى الوعي والسلوك الاستهلاكي وغيرها. ويلخص كل ما سبق في مفهوم القوة الشرائية.

هل تستحق هذه الأسعار..؟

التبريرات التي يضعها أصحاب المحلات تزيد من قلق المواطن وخوفه من ارتفاع الأسعار أكثر فأكثر، ويتساءل مواطنون عن سبب ارتفاع أسعار الألبسة المستوردة والوطنية حتى يصل سعر الحذاء بين 12 و 15 ألف ليرة سورية, وسعر الجاكيت إلى ما بين 12 و 20 ألف ليرة سورية, وسعر البيجامة الشتوية فوق الـ10 آلاف ليرة سورية , إذ لا تجد الموظفة حنان التي تعمل في مؤسسة حكومية أي سبب مقنع لهذه الأسعار الجنونية للألبسة ذات الصناعة المحلية أو الماركات التي كما تقول إن هناك نسبة محددة للأرباح يحق للتاجر أن يضعها ولا يمكن أن تصل إلى هذا الحد، وتتساءل عن دور حماية المستهلك في ضبط الأسعار؟.

بانتظار التنزيلات 

ارتياد المواطنين اليوم للأسواق هو فقط لتتبع موسم التنزيلات، حيث يقول المواطن عباس حمدان الذي التقيناه في أحد الأسواق إنه لا يشتري الألبسة في موسم الشتاء بل ينتظر موسم التنزيلات حتى يتسنى له أن يشتري لأولاده الثلاثة وزوجته فربما تكون الأسعار أرحم.

وكما كل عام لا ترتاد ربة المنزل هناء قدور السوق إلا في موسم التنزيلات كما تقول لأنه ليس في استطاعتها أن تشتري لجميع أفراد أسرتها مع هذا الغلاء غير المسبوق, وتتساءل ماذا يمكنه أن يفعل المواطن مع هذا الغلاء ؟.

مجرد ضبوط

وتقوم مديرية حماية المستهلك كما بيّن أحمد نجم مدير مديرية حماية المستهلك والتجارة الداخلية في محافظة اللاذقية بمتابعة كل الفعاليات التجارية بما فيها الألبسة والأحذية والتشديد للإعلان عن السعر والفاتورة وبيان التكلفة , وحيث يتم سحب عينات لدراستها تتم الدراسة في دائرة الأسعار وتنظيم الضبوط بحق المخالفين حيث تم تنظيم 90 ضبطاً للألبسة منذ بداية موسم الشتاء بتاريخ 1/11 / 2015 وحتى منتصف هذا الشهر منها 35 ضبطاً لعدم الاعلان عن الأسعار و 34 ضبطا عدم حيازة فاتورة و 3 ضبوط الإعلان بسعر زائد , وبالنسبة للأحذية تم تنظيم 43 ضبطاً.

عوامل عديدة

السؤال المعتاد والمكرر هو عن أسباب ارتفاع أسعار المنتجات المحلية بالكامل رغم توافرها, كإجابة مباشرة يقول د . عياش : إن ارتفاع المستوى العام للأسعار يؤدي بطريقة غير مباشرة إلى ارتفاع كل أسعار السلع و الخدمات بما فيها تلك المنتجة محلياً، لكن يعزز ذلك حالات الاحتكار والجشع والاستغلال والانتهازية التي تسود عادة في الأزمات والحروب.

والسؤال الأكثر إلحاحاً يتعلق بمدى تناسب الدخل مع متطلبات الحياة الأساسية ؟.

هنا يجيب د عياش: في ظل تعميم سلوك «القطيع» الاستهلاكي نجد من الضرورة بمكان انتهاج السياسات والإجراءات التي تؤدي إلى ترشيد السلوك الاستهلاكي من خلال ضبط و تحجيم الطلب ما يساهم في تراجع سرعة واندفاع الزيادة في الأسعار, نجد ذلك من خلال التقنين والترشيد والتقشف في الاستيراد والإنفاق والاستهلاك.

استعمال البدائل

وعن دور المواطن في ذلك يقول د. عياش: إن المواطن السوري الأصيل الذي دفع أثماناً باهظة للحفاظ على وطنه وقدم الغالي والنفيس وجاد بدمه في سبيل كيانه الوطني، سيتحمل رغم الألم، تفاقم الحاجات والعجز عن تأمين الضروري والأساسي منها, لكن يستحق هذا المواطن المصارحة من الجهات الحكومية وهو الأقدر على تقدير الظروف، ويضيف: ولنكون أكثر واقعية يجب على سبيل المثال عدم تبديل أي سلعة مادام يمكن إصلاحها سواء أدوات منزلية أو ألبسة وأحذية، واستعمال البدائل على مستوى الغذاء والدواء والسلع . كالاعتماد على الغذاء النباتي والتداوي بالأعشاب واستعمال البالة، مع التقنين في الاستهلاك ولاسيما في استهلاك الطاقة والغذاء, ولكن هل من المعقول أن يطلب من المواطن هذا الطلب رغم كل ما يتحمله؟ نقول «والحديث للدكتور عياش»على الجميع أن يدرك أننا في حرب تهدد الكيان والوجود، وفي الحروب على المجتمع بكليته أن يتحول إلى حالة الحرب في السلوك والوعي. وفي الحروب يكون الهدف الوحيد هو البقاء على قيد الحياة , هناك من دفع دماً في هذه الحرب ومقابل هذا الثمن تصبح الأمور الأخرى أثماناً تافهة لا تستحق النقاش, وعلى الجميع أن يدرك أنه عندما نفقد الوطن فلا قيمة للحياة.

الأفق ليس مسدوداً

إجراءات عديدة قد تساعد في تخفيف أثر هذه المسببات الموضوعية لارتفاع الأسعار وكما يشير د. عياش إلى أن الأفق ليس مسدوداً, ويوجز بعضاً من هذه الإجراءات: تسهيل حركة انتقال البضائع ( رغم صعوبة ذلك ) سيؤدي إلى تراجع تكاليف النقل والتي تشكل أحياناً 100% من سعر المواد، وزيادة مؤسسات التدخل الإيجابي من حيث النوع والكم و الفاعلية ما يخلق حالة تنافسية ومرجعية تسعيرية تساعد في ضبط الأسعار، وتشجيع الإنتاج المحلي وتأمين مستلزماته بما يحرك عجلة الإنتاج ويعزز المعروض السلعي والخدمي في الأسواق ويتيح الفرصة للتصدير ولاسيما للأسواق الروسية والإيرانية وبعض الأسواق الصديقة الأخرى.

 

سيرياديلي نيوز


التعليقات