تصل أقساط بعض المدارس الخاصة في دمشق إلى نحو 40 مليون ليرة سورية سنوياً للطالب الواحد، متجاوزة بفوارق كبيرة السقوف التي حددتها وزارة التربية، فيما تضاف إلى القسط الأساسي رسوم أخرى للنقل واللباس والأنشطة
والخدمات التعليمية.
وبحسب رصد لـ"سيرياديلي نيوز"، تتراوح أقساط المدارس الخاصة العادية والمتوسطة بين 6 و15 مليون ليرة سنوياً، بينما ترتفع في بعض المدارس المعروفة التي تقدم مناهج دولية، ولا سيما في مناطق المزة وأبو رمانة، إلى ما بين 20 و40 مليون ليرة.
وتضع هذه الأسعار الأسر أمام خيارات صعبة، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، في وقت يرى فيه بعض الأهالي أن التعليم الخاص بات يستهلك جزءاً كبيراً من دخل الأسرة.
فجوة بين السقوف الرسمية والأسعار
كانت وزارة التربية قد حددت، بموجب تعميم رسمي صادر عام 2025، سقوفاً لأقساط المدارس الخاصة وفق أربع فئات تعليمية، تراوحت بين 525 ألفاً و2.45 مليون ليرة، بحسب تصنيف المدرسة والمرحلة الدراسية.
لكن أقساط عدد من المدارس الخاصة تتجاوز هذه السقوف بفوارق كبيرة، مع إضافة رسوم تحت مسميات مختلفة، بينها الخدمات التعليمية الإضافية والمناهج الإثرائية والأنشطة.
وتشمل الرسوم الإضافية، بحسب الأهالي، اللغات الأجنبية المكثفة والمختبرات والتجهيزات التقنية واللباس الموحد والصيانة والأنشطة الخارجية والورشات التدريبية.
ويرى أهالٍ أن هذه البنود تحولت في بعض المدارس إلى وسيلة لرفع الكلفة النهائية، بينما تقول إدارات المدارس إن الخدمات الإضافية تحتاج إلى كوادر وتجهيزات ونفقات تشغيلية، وبالتالي تنعكس على السعر الذي يدفعه الطالب.
النقل يضيف ملايين الليرات
ولا تتوقف الكلفة عند القسط المدرسي، إذ يدفع الأهالي أجور النقل بشكل منفصل، والتي تتراوح، بحسب شهاداتهم، بين مليوني و6 ملايين ليرة سنوياً للطالب الواحد.
وتقول أمينة، وهي موظفة حكومية وأم لطفلين، لـ"صدى الشام" إنها اضطرت إلى نقل طفليها من مدرسة خاصة بعدما وصل القسط إلى نحو 1500 دولار للطالب سنوياً، إلى مدرسة أخرى تبلغ كلفة الدراسة فيها نحو 800 دولار.
وتضيف: "راتبي مليون ليرة، ما بقدر أدفع هالمبالغ. المدارس الحكومية مكتظة، بس الخاصة صارت تجارة. لولا مساعدة أختي بألمانيا، ما بقدر سجل أولادي".
أما مروان، وهو مدرس لغة إنكليزية، فنقل ابنه إلى التعليم الحكومي بعدما ارتفع القسط من 900 إلى 1200 دولار سنوياً.
ويقول إن النقل أصبح عبئاً إضافياً على الأسر، مضيفاً: "حتى النقل صار 6 ملايين ليرة، شي غير منطقي. لازم الوزارة تضبط الأسعار أو تحسن التعليم الحكومي، في شعب صفية فيها أكتر من 60 طالب".
الأسعار مرتبطة بتكاليف التشغيل
في المقابل، تقول مديرة مدرسة خاصة في المزة لـ"صدى الشام" إن ارتفاع الأقساط يرتبط بتكاليف تشغيل المدرسة والخدمات التي تقدمها للطلاب.
وتوضح أن رواتب الكوادر التعليمية، والصيانة، والتدفئة، واللباس، والمستلزمات المكتبية، إلى جانب اللغات والأنشطة والمناهج الإضافية والتجهيزات، تدخل جميعها في تحديد الكلفة النهائية.
وتشير إلى أن بعض المدارس لا تكتفي بتدريس المنهج الحكومي، وإنما تقدم برامج وخدمات تعليمية إضافية، معتبرة أن ذلك يفسر جزءاً من الفارق بين القسط الأساسي والكلفة الإجمالية التي يدفعها الأهالي.
لكن استمرار الفارق الكبير بين السقوف الرسمية والأسعار الفعلية يثير تساؤلات حول آليات الرقابة على الرسوم الإضافية، ومدى وضوح البنود التي يسمح للمدارس بتحصيلها من الأسر.
التعليم الحكومي أمام اختبار الاكتظاظ
تأتي هذه الأسعار في وقت يواجه فيه التعليم الحكومي تحديات تتعلق بالاكتظاظ ونقص بعض التجهيزات والبنية التحتية، ما يدفع بعض الأسر إلى المفاضلة بين مدارس خاصة مرتفعة الكلفة ومدارس حكومية تضم أعداداً كبيرة من الطلاب داخل الصفوف.
وبحسب وزارة التربية، يوجد أكثر من مليوني طفل خارج العملية التعليمية حتى الصف التاسع، لأسباب من بينها النزوح والهجرة وعدم تسجيل بعض الأطفال في دوائر النفوس.
وتعكس هذه المعطيات حجم الضغط الذي يواجه قطاع التعليم، في وقت تصبح فيه قدرة الأسر على تحمل كلفة التعليم الخاص محدودة، بينما لا يوفر التعليم الحكومي في بعض المناطق البديل الذي تبحث عنه الأسر.
وبين سقوف رسمية لا تعكس الأسعار التي يدفعها الأهالي، ورسوم إضافية ترفع الكلفة النهائية، تواجه الأسر السورية معادلة صعبة: تعليم خاص مكلف، أو تعليم حكومي يعاني من الاكتظاظ ونقص الإمكانات.
ويبقى ضبط الأقساط والرسوم الإضافية، إلى جانب تحسين المدارس الحكومية وتوسيع قدرتها على الاستيعاب، من أبرز التحديات أمام ضمان حصول الأطفال على تعليم يمكن للأسر تحمّل كلفته.
سيرياديلي نيوز
2026-08-15 16:49:41
