مركز مدد سياسات مُستعادة: الارتماء في حِضْن الخصم!




يحدثُ أن تختلَ أو تنقلبَ أنماطُ القيمِ لدى الأفراد أو الجماعات حول الوطن والانتماء ومن هو الخصم أو العدو. وقد تلتبس الأمور لدى بعض القوى والفواعل الاجتماعية، فتخطئ في الفهم والتقدير، وتقرر الوقوف إلى جانب الخصم، بل الارتماء في حِضْنِهِ، بدلاً من مواجهته!
وهكذا فقد قَتَلَ مسلحون معارضون شاباً بعد أيام من إنزاله علماً لـ "إسرائيل" سبق أن رفعوه في أحد أحياء مدينة حمص في  مرحلة مبكرة من الأزمة السورية، ورفع متظاهرون في ريف إدلب لافتات كُتبَ عليها: "أين أنتم يا أحفاد سايكس وبيكو؟!"، مُطالبين بالتدخل العسكري في سورية على غرار ما حدث في ليبيا 2011 والعراق 2003، ومثله ذهاب معارضين سوريين للتحالف مع إسرائيل، وانضواء آخرين في ميليشيات تعمل بإمرة الولايات المتحدة وتركيا والسعودية وقطر وغيرها، ومثله ما حدث مؤخراً من رفع تظاهرة نسائية في ريف حلب لافتات كُتب عليها: "نفتح قلوبنا للجيش التركي"! وربما حدث شيء مشابه لدى موالين فَضَّلَ بعضهم الانضواء في مجموعات وفصائل تحت إشراف مباشر لحلفاء دمشق عن أن يلتحقوا بالقطاعات العسكرية الرسمية، رغم أنَّ الظاهرتين ليستا سواء. علماً أن الانضواء تحت لواء الحلفاء له أسباب عديدة، تتطلب مداخل تحليل مختلفة، ولا مجال لذكرها في هذا المقام.
وهذا يمثل في حالات كثيرة سلوكاً جمعياً وقراراً واعياً، يصدر عن فواعل قوى اجتماعية وسياسية مؤثرة في الواقع، وأحياناً تكون لها الغلبة في تقرير الأمور، وتسعى في تبرير ما تقوم به، تحت عناوين مقولات مثل: المصلحة، والواجب، ودفع الضرر إلخ.. ومثل ذلك ما يحدث لدى عدد من الدول العربية التي قررت الارتماء في حضن الخصم وهو إسرائيل بذريعة مواجهة خصم مفترض وهو إيران.
لن نُفَصِّلَ كثيراً في ما يجري اليوم، وإنما نذهب لتقصي مؤشرات مشابهة في التاريخ القريب، للإضاءة على جانب من "الأنماط التكرارية" في الوعي والسلوك السياسي في المنطقة. ويتعلق الأمر بميل جزء من الأعيان والأحزاب والنخب (وحتى من العامة) إلى حسبان أن "المصلحة" لا تتمثل في مواجهة التحديات، وإنما في الانخراط النشط في سياسات الآخر، بل "إغوائه" بالتدخل واستدعائه للسيطرة.
في بدايات القرن الماضي كان النقاش مُحتدماً حول القوة التي يُفَضَّل أن تسيطر على المشرق، وقد فضَّل التُّرك مثلاً، انتداباً أمريكياً على بلادهم، حسب تقرير "لجنة هاربورد" التي أرسلت إلى الأناضول في أيلول/سبتمبر 1919، فيما تجاذبت عرب المشرق نزعتان تُفَضِّلُ إحداهما انتداباً بريطانياً والأُخرى انتداباً فرنسياً، وإن لم يكن فانتداباً أمريكياً، حسب تقرير لجنة كنغ-كراين التي أرسلت إلى المشرق/بلاد الشام في حزيران/يونيو 1919.
لم يجد أعيان وفواعل في دمشق وبغداد والقدس وبيروت ومكة وغيرها حرجاً في قبول اتفاقات سايكس وبيكو التي كانوا على علم بها، كما قال الضابط الإنكليزي ت. إ. لورنس المعروف بـ "لورنس العرب"، كما لم يجد الأمير فيصل حرجاً في الاتفاق مع حاييم وايزمن رئيس المنظمة الصهيونية العالمية على وجود الحركة الصهيونية في فلسطين (اتفاق 1919)؛ ذلك أن مدارك التهديد والخصومة أو العداء، ومن ثم المواقف السياسية، كانت تحددها -بدرجة كبيرة- اعتبارات شخصية وفئوية ومصلحية وريعية، ربما كانت هي نفسها التي دفعت –في ما بعد- بأعيان وأحزاب وقوى اجتماعية وسياسية لتغيير موقفها من "الانتداب"، تحديداً عندما اقتضت المصلحة الارتباط بمقولات "الوطن" و"الاستقلال". وهذا لا يغفل وجود قوى وطنية واستقلالية بحق.
لاحظ كلٌّ من: محمد عزت دروزة، ورشيد رضا، ويوسف الحكيم، وحسن الأمين، أن "الشريحة" التي كانت مستفيدة من الحكم التركي في المشرق هي نفسها التي رحبت بالاحتلال الفرنسي والبريطاني، أو "تهيأت له"، بالأحرى "استدعته"، ومن ذلك مثلاً ما جرى من تأسيس "الحزب الوطني السوري" في كانون الثاني/يناير 1919 الذي رأى دروزة أنه كان يعمل في الظاهر لاستقلال سورية ووحدتها، إلا أنه في الواقع كان يعمل من أجل أمور أخرى. وأما رشيد رضا فقد تحدث عن أن الحزب المذكور بلَّغَ الحكومةَ عزمه على "تأليف وفد فيه سبعة من حملة العمائم وسكنة الأثواب العباعب، يرسلونه إلى باريس بطلب الانتداب الفرنسي على جميع البلاد السورية". (رحلات رشيد رضا، ص 301).
وذهب حسن الأمين للقول: إنَّ الحزب المذكور، ونحن نتحدث عن نمط من الفواعل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية، عبَّر في حقيقة الأمر عن "صنائع الاستعمار وطلاب الانتداب". (مقالات في التاريخ، ص 345). وتحدث يوسف الحكيم عن أن جماعة الحزب المذكور "كانوا يُفضِّلون الانتداب الفرنسي على الاستقلال. (مذكرات، ص 87).
وهكذا عَدَّ كثير من النخب والأعيان في المشرق أن المصلحة تقتضي الارتماء الكامل في حضن فرنسا. وهذا يفسر كيف حفنة من الجنود الفرنسيين سيطرت على بيروت من دون أي قتال؛ وكيف أن الجنرال الفرنسي غوابييه كان في اليوم التالي لمعركة ميسلون يتجول في شوارع دمشق، وقد "استُقبِل بالإقبال والتحشد والتدافع". (الأمين، غارات على بلاد الشام، ص 232-234). وأولم له رجال دين ونواب ووزراء زملاء لوزير الدفاع يوسف العظمة الذي استُشهد في ميسلون. وبعد أسبوع خرجت جموع غفيرة تستقبل الجنرال غورو على أبواب المدينة. وحدث مثل ذلك خلال الغزو الإسرائيلي للبنان (1982)، عندما وجد أرييل شارون من يستقبله ويُولِم له؛ مثلما وجد من يقاومه ويخرجه عنوة من لبنان.
يبدو أن "الارتماء في حضن الخصم" و"استبطان" رغباته وأولوياته، يمثَّل نمطاً تكرارياً في تاريخ المنطقة وحاضرها، ويكاد يأخذها إلى "الجانب الخاطئ" من التاريخ، لولا وجود استراتيجية أخرى معاكسة، ترى أن الوقوف بوجه الخصم هو البداهة المستقرة لدى الأمم الحية، عقلاً وتاريخاً، وجوباً وضرورةً.

د.عقيل سعيد محفوض

سيريا ديلي نيوز


التعليقات