مأساة فنانة اسمها أمل .. بقلم: أ.يعقوب مراد




 

 

خاص - سيريا ديلي نيوز

مأساة فنانة:

الجمعة11/آذار2011... رحلت الفنانة أمل سكر، بعد رحلةٍ مع المرض والعذاب...

بدأت مشوارها الفني منذ أن قدمت استقالتها كمضيفةٍ للطيران عام 1962، لتصبح ممثلة الأحزان والنكبات والمآسي والمواقف الصعبة والحرجة..

شقيقي يعقوب.. هكذا كانت تهتف بصوتٍ عالٍ عندما تراني.. وعندما كنت أصغي إليها، وهي تحدثني عن معاناتها، كنت في الوقت ذاته أفتش عن صيغةٍ أو معنى لهذه المعاناة، فلم أجد سوى عبارة: مأساة فنانةٍ شرقيةٍ..

لكن من هي أمل سكر؟ وما هي معاناتها؟

تعالوا معي نلقي الضوء على قصةٍ مؤثرة جداً، فبقدر ما تعذبت، بقدر ما أكرمها الله.. هي أمل سكر شقيقة الفنانة ملك سكر..

بدأت حياتها الفنية عام 1962 في الحلقات التلفزيونية (ساعي البريد) إخراج المرحوم سليم قطايا..

أشهر أعمالها كان مسلسل (الأميرة الشماء) ومسلسل (جابر وجبير) في السبعينيات... تزوجت رجلاً باكستانياً من أصلٍ سعوديٍّ، وأثمر زواجهما طفلةً اسمها فاتن، ونشأ خلافٌ حين أصرّت أمل على الاستمرار في مسيرتها الفنية، وحصل الانفصال عام 1962، واستمرت تتألق فنياً، سافرت للقاهرة عام 1964، وحلّت ضيفةً عند الموسيقار فريد الأطرش، واشتركت في فيلم (العقل والمال) مع إسماعيل ياسين وحسن فائق وطروب ومديحه كامل، وكان اسمها الفني آنذاك أمل مراد.. فقلت لها ضاحكاً: ألهذا تناديني شقيقي!؟

ضحكت، وقالت: لا.. لأنّك تشبه شقيقي فريد المقيم في ألمانيا، ولأنّك فعلاً  شقيقي الروحي والغالي الذي لم تنجبه أمي..

وتكمل أمل مشوارها الفني بعددٍ من الأفلام المهمة وأهمها:

(صقر العرب) مع سمير لام ومحمود سعيد وسميرة بارودي و(الفرقة 7) مع إبراهيم خان وفريـال كريم، و(موال) مع صباح ووديع الصافي و(عتاب) مع محرم فؤاد وسميرة توفيق وملك سكر، (القاهرون) مع سميرة توفيق وفهد بلان.

بعد فيلم (عتاب) تزوجت المنتج اللبناني حسين فواز، ولم يستمر زواجهما أكثر من ثلاث سنوات، ثم انفصلا، لتبدأ رحلة المرض عام1972 حين اكتشف الدكتور جورج الياس أنّها مصابةٌ بسرطان الثدي إثر شعورها بالألم في  صدرها الأيمن. انتهى الألم تقريباً مع استئصال الثدي، ولم يبقَ أيّ جوانب سلبية بعد العملية الثانية..

 

أمٌ تبحث عن ابنتها

سافرت أمل إلى أمريكا، وحلّت ضيفةً عند شقيقتها شاهيناز، ولديها أملٌ واحدٌ هو البحث والعثور على ابنتها فاتن، فكلّ المعلومات كانت تؤكد أن زوجها الأمير، وابنتها فاتن، كانا يقيمان في أمريكا. استمرت عمليه البحث من ولاية إلى أخرى، وتحمّلت الكثير، وعملت ساعاتٍ طويلةٍ كنادلةٍ في مقهى، وبائعةً  في محطة بنزين، وتحمّلت الكثير، وشعرت بالإرهاق والتعب والإخفاق، وبدون نتيجة، فقررت العودة للوطن بعدما فقدت الأمل نهائياً، وسلمت أمرها لله.. بعودتها إلى الوطن لم تجد مكاناً لائقاً لها.. لم يكُ لديها بيتٌ تعيش فيه، فحلّت ضيفةً عند أختها فريـال في شارع بغداد في دمشق..

ولم تجد أدواراً  فنيةً تناسبها، سوى بعض الأدوار البسيطة جداً، والتي تكاد لاتذكر، ومنها مسرحية عرضت في المحافظات مع صلاح قصاص وسعاد عمر ووفاء بشور.

اتصلت بي ذات مساء تخبرني بأنّ العرض بعد يومين في محردة المدينة التي عشت فيها حياتي، فرافقني إلى محردة كلّ من الفنان أحمد مللي، ومدير العلاقات العامة بفندق الميريديان سهيل خضرة، وبعض الأصدقاء، وهناك التقيت بالفرقة، ودعوتهم إلى عشاءٍ في بيت أهلي تكريماً لهم، وأكرمهم أيضاً بعض أصدقاء الطفولة في محردة مثل نزيه الكلش ونزار فلاحة، أمضينا يوماً رائعاً في محردة، بقيت ذكرياته الطيبة حتّى اليوم..

بعد جولة المحافظات... عادت أمل والفرقة إلى دمشق، وبدأت تشعر بجحود وإهمال أصدقاء الأمس لها.. وفي عام 1985 دعتني لزيارتها، وأخبرتني  بأنّها قررت الحج إلى بيت الله، واعتزال الفن، وأصدقاء الفن، والاعتكاف نهائياً، لذلك وحرصاً على صداقتنا، قررت أن تروي لي قصتها كاملةً..

روت لي الكثير، واخترت أنا ما هو مناسبٌ للنشر، ونشرته في مجلة ألوان، واحتفظت بالباقي لنفسي، احتراماً لها.

سافرتُ إلى لسويد في نهاية عام 1985، وفي أول زيارةٍ إلى دمشق في صيف 1988، اتصلت بها مباشرةً، وعلمت من شقيقتها أنّها وبعد عودتها من الحج لم تعد تستقبل أحدا،ً أصريت أن تسألها، وانتظرت قليلاً ثم سمعت صوتها يهتف ببحتها المميزة: شقيقي يعقوب أهلاً بك يا أخي تعال، نحن بانتظارك..

اشتريت لها هديةً صندوقاً خشبياً مطعماً بماء الذهب، وبداخله القرآن الكريم، وصلت في الموعد المحدد، وكم أسعدتني رؤيتها بلباسها الأبيض من رأسها حتى أخمص قدميها. بعد عبارات الترحيب والاطمئنان، سألتها: أراك سعيدة، وجهك يشع بالفرح، وعيناك تضحكان، ماذا هناك؟.. ضحكت ثم سبّحت باسم الله، وقالت: أكرمني الله كثيراً والحمد لله.. وسأخبرك بكلّ شيءٍ  يا شقيقي، وضحكت قائلةً: بعد أن فقدت الآمل برؤية ابنتي سلمت أمري لله، وذهبت للحج كما تعرف، وهناك.. وهبني الله ما كنت أبحث عنه طيلة حياتي.

 

اللقاء الموثر

أخبرتني بأنّها ذات يومٍ من أيام الحج، وكانت في غرفتها تصلي، وتستغفر ربّها، وتطلب لنفسها آخر أمنية، أن يكرمها وتلتقي بابنتها، قبل أن تموت، وفجأةً سمعت طرقاً على الباب... نهضت لتفتح الباب، فوقفت مذهولةً تماماً، وانهمرت دموعها غير مصدقةٍ عيناها أمام المفاجأة الكبرى، فأغمي عليها، وحين عادت إلى وعيها، نظرت حولها لتتأكد بأنّ ما رأته ليس حلماً، بل حقيقة، وتأكدت فعلاً بأنّ المرأة التي تقف أمامها، والتي تكاد تكون صورةً  عنها هي ابنتها فاتن مع زوجها وأبوها الأمير زوج أمل السابق..

بعد اللقاء الذي لا يمكن شرحه بالكلام،  أو وصفه، وكيف امتزجت القبلات بالدموع بين الأم وابنتها، مما جعل كلّ الموجودين حتّى حاشية الأمير يبكون فرحاً، فتحوّل اللقاء إلى أهم فيلمٍ في حياتها.. وأخبرها الأمير بأنّه حين علم بأنّها اعتزلت التمثيل، وجاءت تحج إلى بيت الله، قرر أنّه آن الأوان أن تلتقي بابنتها، ثمّ أنهت أمل حديثها، وهي ترى دموعي.. وقالت: لم يعد يهمني أيّ شيءٍ أبداً يا شقيقي.. الله أكرمني بكلّ ما أريد.. والحمد لله..

لم أجد كلاماً يقال أمام عظمة الخالق سبحانه وتعالى، فقد بحثت عن ابنتها 25 سنة في كلّ مكانٍ ولم تجدها، وعندما قررت الحج، تراها أمامها، إنّها معجزةٌ بكلّ معنى الكلمة...

قبل أن أودّعها التفت إليها قائلاً: ما هي كلمتك الأخيرة!؟

قالت: هي كلمتك الأخيرة التي قلتها لي قبل سفرك إلى السويد أتذكرها!؟

قلت لي: أمل تمسكي بالأمل.. لأّن أكبر مآسي الحياة هو أن يموت شيءٌ ما داخل الإنسان، وهو ما يزال يحيا..

ابتسمت راضياً، وفهمت أنّها كانت محكومةً ومتمسكةً بالأمل حتّى لا يموت في داخلها، فتفقد بصيص الأمل الباقي بلقاء ابنتها، والآن بعد أن حقّقت أمنيتها، لم يعد يهمها سوى لقاء الله سبحانه وتعالى بقلبٍ مفعمٍ بالمحبّة والإيمان.. ورحلت يوم الجمعة 11 آذار2011 وبعد ربع قرنٍ كرست فيه حياتها للصلاة والصوم.. رحلت أمل سكر للقاء ربّها مطمئنةً.. فإلى جنّة الخلد يا من كنت شقيقتي!!..

من ذكرياتي...

 

أنا وامل سكر ومجموعة فنانين خلال عرض مسرحية في مدينة محرده في 1985

 

انا والفنانة أمل سكر اعضاء لجنة تحكيم للرقص في فندق الشام عام 1985

 

 

سيريا ديلي نيوز


التعليقات