دمشق وبغداد تفتحان ملف الفرات مجدداً..

تتحرك سوريا والعراق باتجاه إعادة تنشيط التنسيق المائي بينهما، في محاولة لاحتواء التحديات المتصاعدة التي تواجه إدارة مياه نهر الفرات، وسط تراجع الواردات المائية وتزايد الضغوط على الموارد المشتركة، إلى جانب تعثر التفاهمات الإقليمية المتعلقة بتقاسم المياه وتشغيل السدود.

وفي هذا السياق، بحث وزير الطاقة السوري محمد البشير، الأحد، مع وفد من وزارة الموارد المائية العراقية برئاسة الوكيل الفني حسين عبد الأمير، في دمشق، سبل تطوير التعاون الثنائي وتوسيع التنسيق الفني وتبادل البيانات والخبرات، مع التركيز على واقع حوض الفرات والتحديات المرتبطة بإدارته.

وتناولت المباحثات، التي تزامنت مع اجتماع فني بين معاون وزير الطاقة السوري لشؤون المياه والكهرباء أسامة أبو زيد والوفد العراقي، آليات تبادل المعلومات الهيدرولوجية وتفعيل محطات القياس المشتركة، فضلاً عن التغيرات التي طرأت على الواردات المائية وانعكاساتها على احتياجات البلدين.

 

ومن أبرز الملفات المطروحة، العمل على استئناف وتفعيل اللجنة الفنية الثلاثية التي تضم سوريا والعراق وتركيا، باعتبارها إطاراً للتنسيق الإقليمي ومناقشة القضايا العالقة المتعلقة بإدارة مياه دجلة والفرات، وتحريك مسار المفاوضات بشأن تقاسم الموارد المائية.

وتكتسب هذه التحركات أهمية إضافية في ضوء المحضر الفني للتعاون الذي وقعه البلدان في بغداد يوم 25 حزيران الماضي، والذي شكل خطوة نحو إعادة تنظيم التعاون في إدارة الموارد المائية المشتركة، بعد سنوات من التحديات والخلافات المرتبطة بتوزيع الحصص المائية ومواعيد ملء السدود وتشغيلها.

وتبقى معادلة تقاسم مياه الفرات من أكثر الملفات حساسية بين دمشق وبغداد، إذ تنص اتفاقية عام 1989 على تخصيص 58 بالمئة من المياه الواردة إلى سوريا من تركيا للعراق، مقابل احتفاظ سوريا بنسبة 42 بالمئة، إلا أن تراجع الواردات المائية يضع هذه التفاهمات أمام اختبارات متكررة، خصوصاً مع تداخل الاحتياجات الزراعية ومواعيد الري ومتطلبات تشغيل سدود الطبقة وحديثة.

ولا تنفصل المباحثات السورية العراقية عن الخلاف الأوسع مع تركيا بشأن إدارة مياه دجلة والفرات، حيث يتمسك البلدان بضرورة التوصل إلى تفاهمات دائمة تضمن تدفقات مائية مستقرة ومنصفة، في حين تستند أنقرة إلى بروتوكول عام 1987 الذي ينظم الحد الأدنى للتدفق المائي باتجاه سوريا عند 500 متر مكعب في الثانية.

كما يثير مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP)، وما يتضمنه من سدود كبرى، مخاوف دمشق وبغداد بشأن تأثير التوسع في التخزين والاستخدامات المائية التركية على كميات المياه الواصلة إلى دول المصب، في ظل تزايد الطلب على المياه وتراجع الموارد بفعل التغيرات المناخية.

وبين التنسيق الفني والمفاوضات الإقليمية، تبدو التحركات السورية العراقية محاولة لإعادة وضع ملف الفرات على طاولة التفاهمات، انطلاقاً من إدراك مشترك بأن إدارة النهر لم تعد مسألة فنية تتعلق بتشغيل السدود وتبادل البيانات فحسب، بل باتت قضية استراتيجية ترتبط بالأمن المائي والغذائي والطاقة والاستقرار الاقتصادي في البلدين.

ويبقى التحدي الأساسي أمام دمشق وبغداد هو تحويل التفاهمات الفنية إلى آلية مستدامة تضمن انتظام تبادل المعلومات والتنسيق بشأن السدود والتدفقات المائية، وتدعم الوصول إلى اتفاق إقليمي أكثر استقراراً وعدالة في إدارة الموارد المائية المشتركة.

شارك الخبر: واتساب تيليغرام فيسبوك X

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد، كن أول من يعلّق.