عززت تقييمات صندوق النقد الدولي الأخيرة التوقعات بشأن تعافي الاقتصاد السوري، مع تسجيل تحسن في عدد من القطاعات الرئيسية، بينها الزراعة والصناعة والخدمات، بالتزامن مع استمرار الحكومة في تنفيذ إصلاحات اقتصادية ومالية.
وتوقع صندوق النقد الدولي، في بيان صدر في 4 آب/أغسطس، أن يتجاوز معدل نمو الاقتصاد السوري 10% خلال العام الحالي، مع استمرار النمو القوي خلال العام المقبل، مدفوعاً بتحسن الإنتاج الزراعي، وزيادة إنتاج النفط والغاز، وتحسن توفر الكهرباء، إلى جانب نمو التجارة والخدمات وعودة اللاجئين وارتفاع أعداد الزوار والإنفاق الحكومي.
تحسن المالية العامة
وجاءت التوقعات عقب زيارة بعثة صندوق النقد الدولي إلى دمشق بين 19 و23 تموز/يوليو الماضي، حيث رصدت تحسناً في أداء المالية العامة.
وبحسب الصندوق، اختتمت الموازنة المركزية لعام 2025 بفائض محدود، نتيجة ضبط الإنفاق ضمن حدود الموارد المتاحة، مع توجيه الإنفاق نحو الاحتياجات الأساسية.
كما توقع الصندوق ارتفاع الإيرادات بشكل كبير خلال عام 2026، مشيراً إلى تسجيل زيادة في الإيرادات الضريبية والجمركية خلال النصف الأول من العام، إلى جانب ارتفاع إيرادات الهيدروكربونات وبعض الإيرادات الاستثنائية، ومنها رسوم تراخيص الاتصالات ورسوم عبور الوقود.
نمو مدفوع بالتعافي
وقال المستشار الاقتصادي أسامة القاضي إن تقييم صندوق النقد لا يشير بالضرورة إلى نمو عند مستوى 10% فقط، بل يتحدث عن نمو "من خانتين"، بما يعني إمكانية تسجيل معدلات أعلى خلال المرحلة المقبلة.
وأشار القاضي إلى أن الاقتصاد السوري بدأ يستفيد من تحسن عدد من القطاعات، ولا سيما الزراعة والكهرباء والنفط والغاز والتجارة والخدمات، مع عودة النشاط إلى المدن والمناطق الصناعية.
وأضاف أن زيادة حركة التجارة، وارتفاع أعداد الزوار، وعودة اللاجئين، إلى جانب تأسيس شركات جديدة واستعادة النشاط الاقتصادي، تشكل عوامل إضافية يمكن أن تدعم مسار التعافي.
من جهته، اعتبر أستاذ الاقتصاد الكلي في كليات الشرق العربي في السعودية، عماد الدين المصبح، أن المؤشرات الحالية تعكس ما يعرف بـ"النمو الاستدراكي"، الذي يظهر عادة بعد توقف العمليات العسكرية الكبرى وبدء النشاط الاقتصادي من مستويات منخفضة.
الإصلاحات في صلب التعافي
وأكد وزير المالية محمد يسر برنية أن تقييم صندوق النقد يمثل رسالة تعزز الثقة بالإصلاحات التي تعمل عليها الحكومة، بهدف استعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي، ودعم التعافي، وترسيخ السياسات المالية، وتهيئة بيئة مناسبة لنمو القطاع الخاص وجذب الاستثمارات.
ويرى القاضي أن الإصلاحات الاقتصادية والتشريعية والمالية، إلى جانب مكافحة الفساد والانفتاح التجاري وتنشيط المرافئ وإعادة تأهيل آبار النفط والغاز، يمكن أن تسهم في تعزيز ثقة المستثمرين ودعم البيئة الاستثمارية.
وشدد على أن مسار الإصلاح لا يقتصر على المالية العامة، وإنما يشمل قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة وغيرها، معتبراً أن سورية لا تزال في المراحل الأولى من عملية التعافي الاقتصادي.
من التعافي إلى النمو المستدام
ويرى المصبح أن التحدي الأساسي خلال المرحلة المقبلة يتمثل في تحويل النمو الحالي إلى نمو مستدام، وعدم الاكتفاء بارتفاع مؤقت في المؤشرات الاقتصادية نتيجة إعادة الإعمار والنشاط الاستثنائي.
ودعا إلى التركيز على القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الزراعة والصناعات التحويلية الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب تشجيع عودة الكفاءات والخبرات المهاجرة وتأهيل العمالة المحلية.
كما شدد على أهمية توجيه الموارد المتاحة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية، خصوصاً قطاعات الكهرباء والمياه والنقل، باعتبارها عوامل أساسية لخفض تكاليف الإنتاج ورفع القدرة التنافسية للاقتصاد السوري.
وفي المقابل، وضع القاضي التصنيع والتكنولوجيا والتعليم ضمن أولويات المرحلة المقبلة، إلى جانب تحقيق تنمية أكثر توازناً بين المحافظات وتنشيط مختلف القطاعات الاقتصادية.
رسالة إلى المستثمرين والمجتمع الدولي
ويعكس تقييم صندوق النقد، بحسب المصبح، تجاوز الاقتصاد السوري على الأرجح مرحلة الانكماش الحاد، والانتقال إلى مرحلة استقرار تمهد لمزيد من النمو.
وتحمل هذه المؤشرات، وفق المصبح، رسالة إلى المجتمع الدولي والجهات المانحة والمستثمرين بأن الاقتصاد السوري يمتلك مقومات تسمح بالتعافي، شريطة استمرار الإصلاحات وتحسين البيئة الاقتصادية والاستثمارية.
بدوره، اعتبر القاضي أن سورية تمتلك مقومات يمكن أن تساعدها على تحقيق تعافٍ سريع والاندماج بصورة أكبر في الاقتصاد العالمي، مستنداً إلى مواردها وإمكاناتها في قطاعات النفط والغاز والزراعة والتجارة والخدمات.
ويضع القاضي هدفاً استراتيجياً يتمثل في رفع نسبة السوريين المنتمين إلى الطبقة الوسطى فما فوق إلى 70% بحلول عام 2035، مع الحفاظ على معدلات نمو مرتفعة خلال السنوات المقبلة.
وبينما تعطي توقعات صندوق النقد دفعة إيجابية لمسار الاقتصاد السوري، يبقى الحفاظ على هذا النمو مرتبطاً بقدرة الحكومة على تنفيذ الإصلاحات، وتحسين البنية التحتية، وجذب الاستثمارات، وتنشيط القطاعات الإنتاجية، وتحويل التعافي الأولي إلى نمو مستدام.
سيرياديلي نيوز
2026-08-08 10:41:07
