تسارع سورية خطواتها نحو إعادة الارتباط بالمؤسسات المالية الدولية، في مؤشر واضح إلى تبدل المقاربة الاقتصادية الرسمية من العزلة إلى الانخراط التدريجي. وكشف وزير المالية محمد يسر برنية أن دمشق طلبت بنفسها إطلاق مشاورات المادة الرابعة مع صندوق النقد الدولي، متوقعاً وصول أول بعثة للصندوق منذ عام 2010 خلال النصف الثاني من العام الجاري، في خطوة تهدف إلى الاستفادة من الخبرات الفنية للصندوق لدعم مسار الإصلاح، من دون التوجه حالياً نحو الاقتراض.

وفي مقابلة مع "الشرق" على هامش اجتماعات صندوق النقد والبنك الدولي في واشنطن، أوضح برنية أن الحكومة لا تبحث في هذه المرحلة عن قروض جديدة، بل عن توصيات فنية تساعد على إعادة هيكلة المالية العامة وتطوير السياسات النقدية والضريبية، مع إبقاء الباب مفتوحاً مستقبلاً أمام برامج تعاون لا ترتبط بالضرورة بتمويل مباشر.

ويعكس هذا التوجه محاولة سورية إعادة التموضع اقتصادياً في مرحلة شديدة الحساسية، إذ تواجه البلاد ضغوطاً متزايدة نتيجة تداعيات التوترات الإقليمية وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، إلى جانب إرث اقتصادي ثقيل خلّفته سنوات الحرب والعقوبات وتراجع الإنتاج. كما تسعى الحكومة إلى استعادة قنوات التمويل الخارجي وتهيئة بيئة أكثر استقراراً تسمح بجذب الدعم والاستثمار.

وأكد الوزير أن الأولوية الحالية تتركز على الحصول على دعم فني وزيادة المنح، إلى جانب حشد تمويلات عبر قنوات دولية وإقليمية بدلاً من التوسع في الاقتراض، مشيراً إلى تفاهمات أولية لعقد مؤتمر دولي للمانحين خلال الأشهر المقبلة بدعم من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الخليج، وفي مقدمتها السعودية.

ويأتي ذلك في وقت تُقدَّر فيه كلفة إعادة الإعمار في سورية بما يتراوح بين 200 و250 مليار دولار وفق تقديرات رسمية، ما يجعل ملف التمويل الخارجي أحد أكثر الملفات إلحاحاً في أي خطة للتعافي الاقتصادي.

وفي ما يخص المالية العامة، حددت الحكومة عجز الموازنة بنحو 1.8 مليار دولار، مع تأكيد عدم اللجوء إلى التمويل النقدي عبر المصرف المركزي، في محاولة للحفاظ على الاستقرار النقدي وكبح التضخم. وأشار برنية إلى أن الجزء الأكبر من تمويل العجز سيأتي عبر إصدارات سندات وصكوك في السوق المحلية، مع احتمال اللجوء المحدود إلى أدوات بالعملات الأجنبية، إضافة إلى مساهمة مرتقبة من الصندوق السيادي الذي لا يزال في مرحلة التأسيس.

وتتزامن هذه التحركات مع مساعٍ للحصول على تمويلات ميسرة من مؤسسات إقليمية، إذ يتجه صندوق أوبك للتنمية الدولية "أوفيد" لإطلاق برنامج تمويلي في سورية يبدأ بنحو 500 مليون دولار، يستهدف قطاعات الطاقة والبنية التحتية والخدمات الاجتماعية، مع مباحثات جارية لبدء التمويل قبل نهاية العام وبآجال سداد طويلة وشروط ميسرة.

وفي ملف الإصلاح الداخلي، أعلن الوزير أن الحكومة تعمل على إطلاق نظام ضريبي جديد خلال أسابيع، يقوم على تبسيط الإجراءات وخفض الأعباء الضريبية بدلاً من زيادتها، مع التركيز على تحسين الامتثال وتوسيع القاعدة الضريبية. وبيّن أن ضريبة الدخل لن تتجاوز 15%، فيما ستُحدد ضريبة المبيعات عند 5% تمهيداً للانتقال لاحقاً إلى ضريبة القيمة المضافة بالنسبة نفسها، مع الإبقاء على إعفاءات واسعة للسلع الأساسية وأصحاب الدخول المنخفضة.

وتأتي هذه السياسات في ظل ضغوط معيشية متزايدة وتراجع مستمر في القدرة الشرائية، وهو ما أقر به الوزير، مشيراً إلى العمل على إجراءات دعم موجهة للفئات الأكثر هشاشة، بالتوازي مع إعداد استراتيجية وطنية لمكافحة الفقر.

ويبدو أن التحدي الأكبر أمام الحكومة السورية اليوم لا يتمثل فقط في تأمين التمويل، بل في تحقيق توازن بالغ الصعوبة بين الانضباط المالي من جهة، وتخفيف الأعباء الاجتماعية عن المواطنين من جهة أخرى، ضمن اقتصاد لا يزال هشاً ويحتاج إلى إصلاحات عميقة واستقرار طويل الأمد.

سيرياديلي نيوز


التعليقات