أكثر ما يهم المستهلك بالدرجة الأولى هو موضوع الأسعار وليس مدى مطابقة السلعة للمواصفة، وإذا ما تجرأ أحدهم وتقدم بشكوى بحق أي تاجر فغالباً ما تكون حول تسعيرة السلعة وليس نوعيتها وطبيعة المواد الداخلة بتصنيعها ونسبتها.. إلخ، ليس هذا وحسب بل إن المخالفة لا تأخذ مجراها إلا في حال عدم الإعلان عن السعر وبغض النظر عن سقفه بالنسبة للمواد المحررة، أما تلك غير المحررة والبالغ نسبتها 10% تقع عليها مخالفة رفع تسعيرتها إلى جانب عدم الإعلان عن السعر، ما يعني أن الكرة في ملعب المستهلك الذي غالباً لا يبلغ عن المخالفات وفي حال تبليغه يسارع إلى إسقاط حقه، فأين إذاً الحماية الفعلية للمستهلك؟
معادلة
معادلة تحتاج من يفسرها من المعنيين بالوزارة خاصة مديرة الأسعار التي تكتفي بالقول دائماً إن الأسعار محددة للمستهلك من قبل الوزارة لكل السلع والمواد غير المحررة، وفي حال الارتفاع تبرر المديرية أنها مرتبطة بالسعر العالمي وتم تحديد السعر للمستهلك بناء على بيانات ومعطيات إجازات الاستيراد، وسبب التضارب بين سوق وآخر يعود حسب كل إجازة وأخرى، وفي حال عدم التزام التجار بلائحة أسعار المحددة من قبل الوزارة، ترمي الكرة في ملعب مديرية حماية المستهلك على اعتبار أنها المسؤولة عن مراقبتها وضبط المخالفات.
ترقب وحرص
أما مديرية حماية المستهلك فتصّر دائما على التأكيد بأن أجهزتها تترقب حالة السوق بشكل دائم وحريصة كل الحرص على قمع أي مخالفة سواء كانت متعلقة بالسعر أو بالجودة والنوعية، وأنها تعمم بين الحين والآخر على مديريات التجارة الداخلية في المحافظات بضرورة تشديد الرقابة على الأسواق المحلية حمايةً للمستهلك، وضبط أي مخالفة تتعلق بارتفاع الأسعار غير المبرر مع ضرورة إلزام كافة أصحاب الفعاليات التجارية والخدمية بالإعلان عن الأسعار وتداول الفواتير وبطاقة البيان، وفي حال المخالفة تتخذ أشد العقوبات بحق المخالفات وفقا للقوانين والأنظمة النافذة، بهدف إحكام الرقابة التموينية على الأسواق الداخلية ومنع وقمع أي ظاهرة لارتفاع الأسعار، وتدعو المستهلكين باستمرار للإبلاغ عن أي مخالفة تتعلق بالتلاعب بالأسعار أو غيرها لقمعها مباشرة.
لا دراسات
إن مجريات ما يحدث تؤكد أن فوضى السوق، مترافقة مع غياب دراسات حقيقية عن التكلفة، تلعبان دورا مهما في فلتان الأسعار وفقاً لما لبعض المختصين، فعند ارتفاع سعر أي سلعة رئيسية (مازوت، اسمنت، بنزين الخ ) نلاحظ أن أسعار المواد المرتبطة بهذه السلع وقد ارتفعت بنفس النسبة أو أكثر، وكأن السلعة مكونة بالكامل من المازوت أو الاسمنت.
والأمر الآخر الذي ساعد على هذه الفوضى هو العوامل النفسية المرتبطة بالبائعين والمستهلكين، وهي من بين الأسباب الرئيسية لزيادات الأسعار في الاقتصاد السوري، فالبائعين والمنتجين مثلا لا يوفرون أي فرصة لرفع الأسعار إلا ويتم استغلالها بسبب الرغبة في أرباح إضافية، فيكفي لسبب ما أن يرفع أحد البقالين سعر الحليب أو اللبن حتى يقوم كل بائعي الجوار برفع أسعارهم، أيضا ما أن يرفع احد المزارعين سعر إنتاجه من الزيت أو الزيتون مثلا حتى يقوم كل سكان القرية برفع أسعارهم بالمثل ولا تجد من يبيع بأقل من هذه السعر.
إن تغيرات الأسعار في سورية لا تخضع للنظريات الاقتصادية أو لمتغيرات السوق العالمية إلا في اتجاه الصعود، فاستقرار الأسعار يتطلب تقوية دور الدولة في الأسواق بحيث يمكن التدخل بإجراءات اقتصادية فعالة وليس بإجراءات إدارية تطلب فيها من التجار تخفيض أسعارهم، وبالتالي لابد على الأقل من وجود تقديرات للعرض والطلب على السلع والتحرك قبل حدوث الأزمة، إضافة إلى ضرورة من وجود سياسات على المدى الطويل تركز على استقرار الأسعار فآثار أي سياسة مالية و نقدية لن تظهر قبل ثلاث سنوات من بدء التطبيق، إلى جانب وجوب تشجيع المنافسة من خلال تفعيل قانون المنافسة و منع الاحتكار بحيث يضمن حماية المستهلكين، وعدم تركز القوى الاقتصادية بأيد قلة، ويشجع على توزيع فعال للموارد في الاقتصاد لتأمين خيارات أكبر للمستهلكين، وأن يطبق هذا القانون على جميع المشاريع الصناعية والتجارية وأن يكون شاملا لكل السلع والخدمات.
أخيراً
لعلّ ارتفاع أسعار الثوم هذا الموسم إلى مستويات قياسية خلال فترة وجيزة عقب إصدار رئاسة الوزراء قراراً يسمح بتصديره، يدلّ على مدى التخبط الحكومي ليس لجهة التعاطي مع مسألة التسعير بشكل صحيح فحسب، بل لجهة التخطيط السليم الكفيل بتحقيق توازن يضمن ربح الفلاح وعدم غبنه، ويضمن كذلك حق المستهلك بالحصول على سلعة بسعر يتوافق مع القدرة الشرائية وتكاليف الإنتاج.

سيريا ديلي نيوز


التعليقات