"رغم أن صنعه يكسر الظهر ولكن يبقى أفضل من الوقوف ضمن الطابور الطويل لساعات أمام الفرن" هكذا تواسي أم خالد نفسها عند البدء بتحضير العجين لصناعة خبز الصاج داخل منزلها في الغوطة الشرقية بريف دمشق.
الخبز غير متاح ...

تعجن الستينية العجينة على يديها بطريقة تقليدية وقديمة لتقوم بتقسيمها على شكل أقراص عريضة كبيرة رقيقة جداً، على طبق يسمى "صاج" وهو صفيحة معدنية منبسطة، لتخبز الجدة لأحفادها الأرغفة للاستخدام اليومي.

تمسح حفيدتها سناء قطرات العرق على وجهها خوفاً من سقوطها بالعجينة لتبدأ حديثها لم يعد الخبز متاحًا في الأفران الحكومية بجميع الأوقات، رغم أن أغلبية أهالي المنطقة كانوا يعتمدون بشكل كلي على شراء الخبز من السوق، لكن وقبل أشهر قليلة، عادت طوابير الخبز الطويلة أمام الأفران في العاصمة.

لم تكن تتوقع السيدة أن تعود لصناعة الخبز بعد 32 عاماً من تعلم صناعته ولكن إغلاق الأفران في ريف دمشق، والمعاناة في ذهاب أبناء الريف إلى العاصمة لشراء خبزهم، ففي بعض الأوقات يذهب الناس إلى الأفران خلال ثلاثة أيام، ولا يتمكنون من شراء ربطة خبز واحدة، هناك معاناة الناس بتأمين ربطة الخبز من السوق لذلك علينا العودة لطريقة أجدادنا، بحسب قولها.

جهد وتعب ..

رغم أن أعداد خبز الصاج يحتاج إلى وقت طويل، خاصة إذا كان عدد الأشخاص الذين يُعد الخبز لهم كبيرًا، ويحتاج إلى قدرة بدنية عالية، كما يحتاج إلى أدوات خاصة مثل "الكارة" وهي وسادة يتم وضع العجينة عليها لإدخالها إلى الفرن، و"الشوبك" وهي أداة لرق العجين، بالإضافة إلى الحطب لإشعال النار ضمن ظروف فقدان الغاز

تقول جارتها أم مصطفى " 65 عاماً " عدت منذ سنوات لأخبز على الصاج، ولكن ليس كل يوم، فقط عندما يتوفر لدينا الطحين ويكون هناك أزمة خانقة على الأفران، كما يحصل حاليا فمنذ ما يقارب الشهرين وأنا اخبز بشكل يومي.

وتكمل السيدة حديثها  شراء الطحين من السوق مسألة صعبة لاعتبارات منها عدم توفره وبالتالي ارتفاع أسعاره

تقدر قيمة ربطة الخبز التي تعدها أم خالد وجارتها بـ 1700 ليرة سورية، فكيلوغرام الطحين الواحد سعره 1400 ليرة، أما سعر ربطة الخبز في السوق فيصل في بعض الأوقات إلى أكثر من 2000 ليرة سورية، بحسب ما ذكرته السيدة.

رفع سعر الخبز 100%

في أواخر تشرين الأول الماضي، رفعت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك سعر الخبز والطحين المدعوم بنسبة تصل إلى 100%.

وجاء في قرار الوزارة، “يعدل سعر مبيع الكيلوغرام الواحد من مادة الخبز المدعوم ليصبح 75 ليرة سورية دون عبوة عند بيعها للمستهلك، ويحدد سعر الربطة بـ 100 ليرة سورية معبأة بكيس نايلون عند البيع للمعتمدين والمستهلكين من منفذ البيع بالمخبز”، وشمل القرار رفع سعر مبيع طن الطحين المدعوم ليصبح 40 ألف ليرة سورية.

وأشار مصدر من فرن الشيخ سعد بدمشق إلى أن الأفران تعمل بحسب توافر الطحين ومن المرجح جداً أن تتوقف الأفران عن العمل في أي وقت، لعدم توافر الطحين لجميع الأفران.

اتفاق لتأمين القمح ..

في سياق متصل كان قد تم عقد اتفاقية سورية – تركية برعاية روسية لنقل جزء من احتياطي الحبوب من صوامع “الشركراك” إلى مناطق سيطرة الحكومة في محافظة حلب.

وينص الاتفاق على نقل المئات من أطنان القمح باتجاه مدينة حلب انطلاقا من صوامع (الشركراك) التي يسيطر عليها الجيش التركي والفصائل "التركمانية" الموالية له في تشرين الأول 2019، بعد معارك ضارية مع مسلحي التنظيمات الكردية الموالية للجيش الأمريكي.

وغادرت القافلة الأولى من ثمانية شاحنات محملة بالحبوب إلى محافظة حلب، برفقة قوات روسية، وتبلغ الكمية الإجمالية نحو 400 طن حيث تحتوي الصوامع على 16 ألف طن من القمح، و25 ألف طن من الشعير بحسب تصريحات رسمية

وخلال الأشهر الأخيرة، عانت سورية أزمة حادة في تأمين الأقماح اللازمة لتلبية الطلب على الخبز لمواطنيها، وذلك بسبب تشديد الحصار الغربي على البلاد، والحرق المتعمد بشكل واسع لمواسم القمح في مناطق زراعته، وخاصة في المساحات المتاخمة لمناطق سيطرة الجيش الأمريكي شرقي سورية.

بالمقابل أعادت أزمة الخبز مهارة تصنيع "خبز الصاج" إلى واجهة المهام اليومية داخل معظم منازل سوريين في الأرياف، استبدلوا تعبهم الجسدي في إعداد خبزهم بأنفسهم، بتعبهم بالوقوف في طوابير الخبز الطويلة أمام الأفران، ليس فقط لتوفير ثمن الخبز الذي يُباع في الأسواق، وإنما للحصول على خبز بيتي صحي بالمقارنة مع خبز السوق.

سيريا ديلي نيوز- نور ملحم


التعليقات