لم تكن لتمضي جولة «أوركسترا الموسيقيين السوريين» في أكثر من بلد أوروبي نهاية شهر حزيران الماضي من دون خسائر وارتدادات طالت الموسيقيين

المشاركين، مثلما شملت جسم المؤسسات الموسيقية للبلاد.

إذ قرر عشرة من أصل أربعين موسيقيا ومغنيا ومغنية شاركوا في الجولة التي نظمها كل من المؤلف السوري عصام رافع والمغني البريطاني ديمون ألبارن برعاية

من مؤسسة Africa Express، قرروا البقاء في بريطانيا على العودة إلى وطنهم.

هذه الحادثة ليست الأولى في هجرة الموسيقيين السوريين الذين يتعرضون اليوم لظروف عيش قاسية في ظل السنة السادسة للحرب، دفعت ما يقارب خمسين بالمائة

منهم إلى ترك البلاد، لكن كيف حدث ذلك؟.

بداية الأمر كما يخبرنا موسيقي سوري فضّل عدم ذِكر اسمه: «صدر تصريح من عصام رافع القائد السابق للفرقة الوطنية للموسيقى العربية،

وأنه بسبب الأوضاع تشتتت الفرقة وتشتت العازفون ولم تعد موجودة، وكأن الفرقة مرتبطة بشخصه، وأن الطوفان حدث بعد مغادرته لقيادة الفرقة، ليطرح (رافع)

المساعدة علينا بالسفر والهجرة وترك سوريا؛ فرد عليه المايسترو عدنان فتح الله القائد الحالي لفرقة الموسيقى العربية التي أحيت بقيادته العديد من الحفلات؛ بأننا ما

زلنا موجودين والفرقة غير مرتبطة بشخص، والأوركسترا الوطنية تكون في الوطن لا في المهجر أو المنفى»؟.

الرد لم يتأخر من الموسيقي عصام رافع، ليغيّر اسم «الفرقة الوطنية للموسيقى العربية» فتصبح: «أوركسترا الموسيقيين السوريين»، موجّهاً دعوة للموسيقيين

بشكل شخصي للمشاركة بعمل جماعي، إذ توجهت الدعوات من الموسيقي المقيم في أميركا منذ عام 2013 لقرابة أربعين موسيقياً ومغنياً ومغنية، تمت دعوتهم

بشكل فردي للمشاركة في الجولة الأوروبية التي شملت كلا من هولندا وبريطانيا والدنمارك وتركيا وألمانيا، لكن الدعوة يجب أن تكون أوضح – يعلّق الموسيقي

السوري الذي حجب اسمه للسفير .

مضيفاً: «ما هي هوية الجهة الداعمة والتي تشرف على هذه الجولة السندبادية؟ من يقف وراءها. الموسيقى لا يمكن أن تكون حدثاً سريّاً، فتدبر أمر التأشيرات

للموسيقيين المشاركين بالسرعة التي تمت، وهذا التسهيل الكبير لأخذ الفيزا، في حين هاجر آلاف السوريين عبر قوارب الموت يثيران العديد من إشارات الاستفهام».

النزيف الموسيقي

عداوة الكار بين الموسيقيين السوريين زادت الطين بِلةً ـ يتابع الموسيقي السوري: «الموسيقيون تعاملوا مع زملاء لهم بتعالٍ واضح، وكأن القدرة على السفر اليوم

صارت مقياسا لفنان جيد وآخر متواضع الموهبة، وأغلبهم اعتبروا أن مصلحتهم الشخصية فوق الجميع، وفوق استمرار الحراك الموسيقي في البلاد، فمنهم من

سافر إلى أميركا ومنهم إلى تركيا وآخرون إلى أوروبا، مع أن أغلبهم كانوا من أكثر المستفيدين من امتيازات حكومية ومقربين من رجالات النظام ومؤسساته».

العديد من الأسماء المهمة في الريبرتوار الموسيقي السوري من أساتذة ومدرّسين هجروا البلاد، كان أبرزهم: لينا شاماميان ورشا رزق ولبانة قنطار وديما أورشو

وشادي علي، وقد وصلت نسبة هؤلاء إلى نصف كوادر أساسية من مدرسي وخريجي: «المعهد العالي للموسيقى» و «معهد صلحي الوادي» و «الأوركسترا

السيمفونية» و «أوركسترا الموسيقى العربية».

النزيف الموسيقي كان يحدث سابقاً على دفعات؛ أما اليوم فيتم بالعشرات. بالمقابل ليس من الصحيح تماماً التحكم بمصير هؤلاء والسيطرة على قراراتهم الشخصية

بالبقاء أو الهجرة ـ يعقّب الموسيقي السوري مضيفاً: «هذا يتطلب توفير الظرف الصحي والمناسب ليكون لهؤلاء الموسيقيين كرامتهم وعيشهم الإنساني كفنانين».

أجور الموسيقيين غير مناسبة، فالعازفون داخل سوريا يعيشون من أجورهم لقاء الساعات التدريسية في المعاهد الموسيقية أو العزف مع الفرق المحترفة، فالعازف

الواحد يتقاضى على المشاركة في حفل واحد مبلغا وقدره: «25 ألف ليرة سورية» (ما يعادل خمسين دولاراً) أما أجور التدريس، فهي ليست أفضل حالاً، ففي

المعهد العالي للموسيقى يتقاضى أستاذ الآلة الموسيقية على الساعة الواحدة مبلغاً وقدره: « 450 ليرة سورية» (ما يعادل دولاراً واحداً) و «120 ليرة» (ما يعادل

ربع دولار) للساعة في معهد صلحي الوادي. ولغير الخريج «80 ليرة» (أقل من ربع دولار).

المطالبات المرفوعة لوزارة الثقافة بزيادة الأجور كانت دائماً تعود لمدراء المعاهد بترشيد الإنفاق! يوضح الموسيقي السوري: «هذا ما عرقل أي أمل أمام موسيقيين

يبحثون عن عيش كريم وإنساني».

لحظة واحدة

الموسيقيون السوريون الذين شاركوا في الجولة الأوربية كما يخبرنا الفنان سامر جبر أحد المشاركين في هذه الجولة، تقاضى كل واحد منهم مبلغ ألفي جينيه

إسترليني (ما قدره مليون و 300 ألف ليرة سورية) لكل منهم، أي ما يعادل أجر عامين داخل سوريا؛ حيث جاءت الجولة الأوروبية بين «16و 30 حزيران

الماضي»، بعد جولات كان قد قام بها المغني البريطاني (ديمون) مع الفرق السورية سابقاً بين عامي 2007 و2009 بمناسبة «دمشق عاصمة للثقافة العربية»

وجولات أخرى مشتركة بين عامي 2010 و2011، لتشمل جولة هذا العام المشاركة في مهرجانات دولية على المسرح الملكي بأمستردام ومسارح هواء طلق في

كل من كوبنهاغن واسطنبول ولندن وبريستول، وبمشاركة عازفين ومغنين من كل من موريتانية والسنغال والجزائر وتونس ومالي كان أبرزهم: رشيد طه ومنير

الطرودي ونورا بالإضافة إلى سوريين مقيمين في أوروبا كانت أبرزهم فايا يونان.

أوركسترا الموسيقيين السوريين التي كان مقررا أن يقودها الفنان عصام رافع صاحب هذا المشروع، ومن أشرف على انتقاء أسماء العازفين والمغنين وترشيحهم،

تغيب بسبب تأخر حصوله على التأشيرة من الاتحاد الأوروبي؛ ليحل محله في قيادة الفرقة الفنان رشيد هلال، محققاً برنامج هذه الفرقة بتنوع إشتمل على قطع

موسيقية كمثل: «سماعي بيات»،

إضافةً لمقطوعة «على عجل» لمؤلفها عصام رافع، والتي نجح كل من مسلم رحال (ناي) ومجد جريدة (كمان) في تقديم ارتجال لافت فيهما، كل على آلته، بالإضافة

لمقطوعة «دمشق القديمة» لمؤلفها عاصم سالم، ووصلة للكورال تضمنت توليفة من أغنيات التراث الشامي على نحو «طيري يا حمامة»، «القراصية»، «يا مال

الشام» وموشحي «عاذلي كُفَّ الملامة» و «بدت من الخدر».

ست حفلات قدمتها أوركسترا الموسيقيين السوريين كان أبرزها وسط حقول الغاردينيا ببريستول، إضافةً إلى حفلها في كوبنهاغن الذي حضره جمهور قارب تعداده

المائة ألف متفرج كما يخبرنا سامر جبر، مضيفاً: «الحفلات كان تنظيمها خارقاً وغير اعتيادي، أضف إلى ذلك الفريق التقني البريطاني الذي رافقنا طيلة الجولة،

مصمماً للإضاءة والصوت والخشبة التي نقف عليها بمهارة فائقة، فالجولة أردناها بعيدة عن السياسة وأقرب إلى كل سوري وسورية داخل وخارج الوطن، وكم كان

فرحنا غامراً حين رأينا الجمهور يهتف لنا بعد كل مقطوعة أو أغنية: «سوريا.. نحبُكِ سوريا»، لكن هذا أيضاً لم يمنع موسيقيين من البقاء هناك، وتقديم أوراقهم

للإقامة في بريطانيا وكان أبرزهم: جمال السقا وباسل ومحمد صالح، وأسامة كيوان، وهمسة منيف، ورغد حداد».

لحظة واحدة كانت تحكم الجميع كما يخبرنا جبر، بين العودة إلى الوطن أو البقاء هناك: «كان ممكنا أن أبقى هناك، لكن لماذا حدث ذلك؟ هنا دعني ألوم القائمين على

الوضع الموسيقي في بلادي، ولاسيما مدير دار الأوبرا جوان قره جولي الذي ضيّق مؤخراً كثيراً على الموسيقيين، وحتى وزير الثقافة السابق عصام خليل، قرر منع

السفر للموسيقيين، ولم يرضَ مقابلتنا ليشرح لنا أسباب هذا المنع الذي أصدره بحقنا، فالمنع طال الموظفين أو المتعاقدين في الدار».

عهد قره جولي

إشكاليات كثيرة يفتعلها اليوم مدير دار الأوبرا الحالي، كان آخرها ما حدث مع عازف «الترمبون باص» الوحيد في سوريا سامر جبر الذي يتابع سرد قصته: «لقد تم

فصلي شهرين بقرار من مدير الأوبرا الذي يتعامل معنا كموسيقيين عبر علاقات شخصية جداً، هي سياسة «تطفيش»، فنحن كموسيقيين ننتقد عمل قره جولي، لا

شخصه، مع أننا كزملاء له كونه موسيقيا بالأساس،

كنا نتطلع أن يكون مدير الدار واحداً منا وفينا، لكن وبعد أن تمّ تعيينه منذ عامين تقريباً شعرنا بسلبيته إزاءنا، ولاسيما ما افتعله مع قائد الأوركسترا السيمفونية

الوطنية ميساك باغبودوريان الذي حاربه كثيراً، مع أنه ليس لدينا أية إشكالية مع المايسترو الذي نحترمه ويحترمنا فنحن أصدقاء، لكن قره جولي عمل على خلق

مشاكل بين الموسيقيين من جهة،

وبين قائد الأوركسترا من جهةٍ أخرى، باثاًّ للنوايا السيئة بيننا وبينه، وصار كل من يقف مع قائد الأوركسترا يلقّبه بأنه من «جماعة ميساك»، تخيل أنه فرض علينا

أربعة قادة للأوركسترا السيمفونية هم رعد خلف الذي اعتذر عن ذلك، وأندريه معلولي، وأرمينو هي سيمونيان التي أعادها كقائدة للأوركسترا، ومع أن كل العازفين

رفضوا انتخابها».

رواتب الفرقة السيمفونية الوطنية مخجلة يتابع جبر، ويقول: «وفي عهد قره جولي فرض علينا كموسيقيين أن نقدم حفلة مع السيمفوني شهرياً دون أجر، وهناك

المكلفون والموظفون، وكان عددهم ثلاثين عازفاً وعازفةً منذ تعاقدهم عام 2012، ليتبقى منهم اليوم 15 عازفا يتقاضون راتباً قدره 19 ألف ليرة (ما يقارب 40

دولاراً) كأقل حد؛ فيما يتقاضى الموسيقي علاوة حسب سنوات التخرج تصل بعد زيادة نسبة خمسة بالمائة إلى 35 ألف ليرة (ما يعادل 70 دولاراً)».

هذه السياسة جعلت الكثير من العازفين يغادرون إلى خارج البلاد، بعد تسلم قره جولي لإدارة الأوبرا؛ ويبوح جبر معقباً: «هجرة العديد منا مؤخراً كانت بسبب

تهديداته المستمرة لنا كموسيقيين، بأن وضعنا غير نظامي، إذ أنه اتبع سياسة خلق مشاكل كي يحلها بنفسه، مثلاً أثار مؤخراً مشكلة مع المكلفين فنحن لدينا شهران

استراحة مأجوران، لكنه شطب لنا رواتب هذه الاستراحة، ثم أنه كلف مخلص القادري، (مدير إنتاج تلفزيوني)، كمتعه
 بكل حفلات دار الأوبرا وأن تكون باسمه حصرياً، وعبر عقود شخصية مشكوكٌ فيها».

سيريا ديلي نيوز - السفير


التعليقات