ارتفاع سعر صرف الدولار إلى مستويات غير معقولة منذ أشهر، أفرز نتائج عدة سلبية منها ما انعكس على الأسعار التي ارتفعت دون انخفاض رغم تحسن سعر الليرة قليلاً أمام الدولار بحسب تصريحات الحكوميين، وربما ساهم في عدم انخفاض الأسعار، مشكلة ما زال يعاني منها الصناعيون منذ ذلك الوقت إلى اليوم، لم تطف على السطح حتى الفترة الأخيرة نتيجة فشل أصحاب المعامل بجعل حكومة تسيير الأعمال، تلبي مطالبهم.

«جيكو» بدلاً من «سادكوب»؟!

وبحسب غرفة صناعة دمشق وريفها، فإن وضع المازوت تراجع بشكل كبير بعد توقف شركة «جيكو» اللبنانية، عن توريد المازوت للصناعيين، وذلك خلال فترة ارتفاع سعر الصرف الأخيرة، حيث كانت الشركة تزود الصناعيين بالمازوت وفقاً للسعر الحكومي الذي بقي ثابتاً حينها، بينما تأثرت الشركة كأية شركة خاصة بتقلب سعر الدولار.

شركة «جيكو» اللبنانية، هي شركة يملكها سوريون بحسب غرفة صناعة دمشق وريفها، وهي تزود الصناعيين بالمازوت نتيجة عدم قدرة شركة «محروقات- سادكوب» على تزويدهم بالمادة وتغطية احتياجاتهم 100%، وفقاً لما قالته مصادر في الغرفة لـ «قاسيون»، وعليه كان الاتفاق مع «جيكو» على أن تقوم بجلب ناقلات النفط إلى سورية وتكريرها في مصفاة بانياس، وبيع الصناعيين حاجتهم من المازوت.

السوق السوداء تزود الصناعيين بـ75%!

المصادر تقول إن «جيكو تعاقدت سابقاً مع مكتب تسويق النفط في رئاسة مجلس الوزارء، لتقوم باستيراد ناقلات النفط وتكريرها في بانياس ومن ثم إعادة تصديرها، وبعد طلب الصناعيين، حصلت الشركة على استثناء من الحكومة لبيع الصناعيين في المحافظات السورية كافة حتى الشرقية منها، مادة المازوت والفيول».

عدة شروط فرضت على الشركة حتى حصلت على الاستثناء، ومن هذه الشروط، وضع قيمة مبيعات المحروقات للصناعيين بالليرة السورية، في المصرف المركزي، وعدم تحويلها إلى قطع أجنبي.

رئيس غرف صناعة دمشق وريفها، وعضو مجلس الشعب، سامر الدبس، قال في حديث إذاعي لميلودي اف ام، إن «جيكو بقيت تسلم الصناعيين حاجتهم من المازوت لمدة شهرين فقط، وبعد ارتفاع سعر الصرف وبقاء سعر لتر المازوت على حاله، توقفت الشركة عن ذلك».

هنا بدأ الصناعيون يعانون من عدم قدرتهم على تأمين المازوت اللازم لتشغيل معاملهم، حيث أكد الدبس أن «سادكوب» لا تزودهم سوى بـ 25% إلى 30% من احتياجاتهم ما يؤثر على الدورة الإنتاجية بشكل كبير، وذلك نتيجة عجز الشركة عن تأمين احتياجات القطاعات كلها، وهذا ما دفع الصناعيين للجوء إلى السوق السوداء وشراء باقي حاجتهم من المادة المقدرة بحوالي 75%  بأسعار مرتفعة جداً وصلت إلى 250 ليرة سورية للتر الواحد وأكثر، وقد تصل إلى 350 ليرة في بعض المحافظات مثل حلب.

خياران أحلاهما مر.. والمعامل مهددة!

الصناعيون يتساءلون «كيف يتوفر المازوت في السوق السوداء بينما لا تستطيع سادكوب تأمينه للصناعيين»؟، وهنا يقول الدبس إن الصناعيين يطالبون الحكومة الجديدة بترك قضية التفاوض مع شركة «جيكو» مجدداً للصناعيين بإشراف وزارة النفط، وعليه «إن تم الاتفاق مع الشركة لبيع الصناعيين المازوت بسعر وسطي بين الحكومي والأسود، سيكون الصناعيون بألف خير، فنحن لا يهمنا المصدر إن كان حكومياً أو خاصاً، المهم الاستمرارية»، مضيفاً «الحكومة تبيع كمية قليلة من المازوت بأسعار تتفاوت في كل فترة، بينما تباع المادة في السوق السوداء بأسعار مرعبة، ونحن أمام خيارين أحلاهما مر».

وكشف الدبس، أنه تمت مخاطبة «جيكو» بعد رفع حكومة تسيير الأعمال سعر لتر المازوت، لكن لا يوجد تجاوب حتى اللحظة.

بقاء الوضع على حاله، يهدد بإغلاق الكثير من المعامل، وهذا ما كشف عنه  نائب رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها محمد كامل سحار في تصريحات صحفية، الذي أكد توقف العديد من المعامل عن العمل نتيجة عدم توفر مادة المازوت عبر شركة محروقات وارتفاع سعرها في السوق السوداء، في حين لم يؤكد الدبس ذلك، قائلاً هناك «حالات فردية، لكن بالشكل العام عجلة الإنتاج ما زالت مستمرة دون إنكار الصعوبات، حتى في الحصول على مانسبته 25 إلى 30% من مازوت سادكوب».

وتابع الدبس «هناك الكثير من المعامل مثل معامل السيراميك بحاجة لكميات كبيرة جداً من المازوت، لأنهم يملكون أفراناً لا يمكن إيقافها، وقلة المازوت مع ازدياد ساعات تقنين الكهرباء، أجبرت بعضهم على التوقف، بينما يبقى الآخرون مهددون بالتوقف».

ويوجد في دمشق وريفها حوالي 4000 ورشة ومصنع، وفي مدينة عدرا الصناعية هناك حوالي 1700 مصنع، وهذا يعني وجود حاجة لكميات كبيرة من المازوت، إن لم يتم تأمينها، ستكون عجلة الإنتاج مهددة إما بالتوقف الكلي أو الجزئي.

نائب رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها، شدد على ضرورة تحرك الحكومة القادمة لحل هذه المشكلة بالسرعة القصوى لأنها تؤدي لتراجع الإنتاج وتحمل المستهلك أعباءً مالية جديدة لا يطيقها نتيجة ارتفاع الكلف مع شراء المازوت من السوق السوداء».

في حلب.. الأسود بـ 350

مشاكل الصناعيين، لم تكن محصورة في دمشق وريفها فقط، وكانت المناطق الشرقية والشمالية وخاصة حلب، تعاني بشكل أكبر، حيث أكد رئيس لجنة صناعة النسيج بغرفة صناعة حلب محمد زيزان، وصول سعر لتر المازوت في السوق السوداء إلى 350 ليرة.

أغلب معامل حلب، نقلت أعمالها إلى الأحياء السكنية في المناطق الآمنة، لكن ذلك لم يسهل عملية حصولهم على مازوت «سادكوب»، وبحسب زيزان، فإن المصانع لا تأخذ غير 30% من مخصصاتها من المازوت بحجة أن هذه المصانع «مهجرّة»، وهذا مايدفعهم لشراء المادة من السوق السوداء، مضيفاً أن «غرفة صناعة حلب قامت بإرسال عدة طلبات لمنح الصناعي المهجر مخصصاته بالكامل دون جدوى».

«سادكوب» : لدينا فائض في دمشق!

حجة «سادكوب» في حلب بأن المصانع «مهجرة»، ربما كانت ذاتها بدمشق وريفها، لكن مدير محروقات دمشق، سيباي عزير، نفى ما قالته غرفة صناعة دمشق وريفها، على الأقل ضمن قطاع عمله كمدير لمحروقات دمشق، حيث قال إنه «هناك فائض من المازوت نتيجة قلة الطلب فترة الصيف، وفي دمشق، عدد الصناعيين الذين يستجرون كميات كبيرة من المازوت قليل، ولا توجد أية معاناة بتزويد المنشآت السياحية والتجارية والصناعية جميعها بالمادة»، على حد تعبيره.

لكن تزويد الصناعيين وغيرهم بحاجتهم من المازوت، لا يتم على أساس القيمة المحددة من قبل الصناعيين، وبحسب حديث عزير، فإنه هناك «لجان تحديد احتياجات، تقدر احتياجات المصانع بشكل فعلي على الأرض، وهي مؤلفة من ممثلين عن القطاعات جميعها كالكهرباء والتجارة والصناعة والسياحة، ووزارة التجارة الداخلية وسادكوب»، مردفاً « يتم على أساس التقييم المثبت ضمن محضر، تزويد الصناعيين بكامل الكمية بشكل شهري، دون أي تقطع»، على عكس حديث غرف الصناعة.

لماذا السوق السوداء؟

لكن، لو كان حديث «سادكوب» صحيحاً، لمَ اضطر الصناعيون للاعتماد على شركة «جيكو» الخاصة، أو الشراء من السوق السوداء، التي قد يصلها المازوت عبر موظفين حكوميين ربما من «سادكوب» ذاتها أو غيرها من الجهات الحكومية، وخاصة إذا تم الأخذ بعين الاعتبار حديث عزير عن وجود فائض خلال فترة الصيف، قد يشجع المستغلين على التلاعب به.

وأعلنت «وزارة الداخلية» مؤخراً، القبض على العديد من الأشخاص الذين يبيعون المشتقات النفطية في السوق السوداء ومنهم موظفون في القطاع العام وخصوصاً في محافظة حلب كاشفة أن هناك العديد منهم ما زالوا متوارين عن الأنظار وعمليات البحث مازالت قائمة بحقهم.

وأكدت الوزارة أن هناك العديد من المعلومات الواردة إلى مكتب الوزير تؤكد وجود موظفين في القطاع العام يبيعون المشتقات النفطية في السوق السوداء ولاسيما بعد صدور القرار الحكومي أخيراً برفع أسعارها، ما يؤكد تحالف شبكات الفساد مع شبكات تجار السوق السوداء وتجار الأزمة.

ويبقى السؤال، ما الغاية من تهريب المازوت إلى السوق السوداء وبيعها بسعر مرتفع، إن كانت الكميات الموجودة كافية وهناك فائض، إضافة إلى حصول كل الفعاليات على حاجتها من المادة؟.

ختاماً فإن مشكلة المحروقات هي واحدة فقط من جملة المشاكل التي يعاني منها الإنتاج الصناعي المحلي بشقيه العام والخاص، بظل السياسات الاقتصادية الليبرالية التي أعاقت كل العملية الإنتاجية في البلد، واضعة أمامها العديد من العراقيل والصعوبات بغية إيقافها، وبالحد الأدنى عدم تطورها.

سيريا ديلي نيوز


التعليقات