لم يكن رمضان سوريا يوماً لشد الأحزمة على البطون الخاوية، لكن للغلاء قواعد صارمة، حرمت عائلات كثيرة متعة عيش عادات الشهر الفضيل، حيث يبدو تأثير ارتفاع الأسعار بوضوح على وجوه السوريين المتعَبة التي لن تتردد في رسم ابتسامة صغيرة تتبعها عبارة: «الله يفرجها، ورمضان كريم»

 

لا تهدأ حركة أسواق دمشق رغم الغلاء في شهر رمضان. باعةٌ ينادون بصوتٍ عالٍ، نساء ورجال يبحثون عن السعر الأرخص لتوفير بعض الليرات. نسوة يقفن أمام محلات اللحوم لشراء «أوقية» فقط، فزمن شرائها بالكيلو ولّى، بينما تشتريها أخريات عن البسطات المخالفة، فقط لتطعيم الأكل بنكهتها.

 

«ماذا يهمني إذا انخفض الدولار ولم تنخفض الأسعار»، تقول أم محمد، عند لقائها في سوق باب سريجة. وتضيف بعد فتحها الأكياس التي تحملها: «راعاني البياع وعطاني الخضرة بأقل من سعرها لأنها مضروبة»، لتؤكد أن «اليوم يقتصر إفطارنا على صحن بطاطا وسلطة وتسقية».

أمام محل لبيع لحم الجاموس الذي لم يكن يوماً حاضراً على موائد السوريين، تجيب سيدة أربعينية عن كيفية تدبير شؤون أسرتها: «لم نأكل اللحمة منذ ستة أشهر، وانتظاري هنا فقط لشراء أوقية بـ650 ليرة لتطعيم الطبخة بريحتها، هالأيام عم ندبر حالنا بأكلات من قريبو بمعيّة الأهل والأصدقاء». تتابع وهي تحاول إخفاء دموعها: «أحوالنا كانت ميسورة في مخيم اليرموك، واليوم صرنا نعيش على الشحادة والمعونات. أين الدولة من ذلك؟ لا نريد أن تعيد لنا بيوتنا، لكن أضعف الإيمان إيجاد حل للغلاء، تدعونا للمشاركة في الانتخابات ووقت الجد لا تكترث بهمومنا». الغلاء المطبق تجاوز تأثيره تقليل النفقات، ليصل إلى امتناع عائلات كثيرة عن الصيام والإجهار بإفطارها، وهو ما يبدو جلياً في الشوارع والمطاعم ومحلات الطعام التي استمرت ببيع مأكولاتها خلال النهار. يقول أبو وليد: «كيف يمكن البقاء صائمين قرابة 13 ساعة ثم نفطر على أكل لا يغذي عصفوراً. نعم، الغلاء فرض كلمته على تغير معتقداتنا، لكن جرائم الإرهابيين المرتكبة باسم الإسلام تبقى السبب الأهم». تردي الواقع المعيشي يؤكّده أمين سر «جمعية حماية المستهلك»، جمال السطل، بقوله: «يستحيل ضبط فلتان الأسعار التي زادت أضعافاً خلال شهر رمضان. فكيف تستطيع أسرة وسطي دخلها 25 ألف ليرة تدبير شؤونها، بينما أقل طبخة تكلف 2000 ليرة مؤلفة من خضار وبطاطا مقلية؟».

 

حصار «سبع نجوم»

رفع التجار منذ بدء شهر رمضان أسعار معظم السلع بمقدار 25%، مستغلّين زيادة الطلب عليها، مع الاختلاف بين منطقة وأخرى، لتبقى المناطق المحاصرة هي الأكثر غلاءً.

توضح يسرى الحلبي (موظفة) في أثناء لقائها بأحد محلات حي الورود الملاصق لمنطقة قدسيا، أنها تأتي كل أسبوع لشراء احتياجات أسرتها، إذ تبقى «الأسعار هنا على غلائها، أخفض من قدسيا بأضعاف». وتضيف: «شهر رمضان بات مقتصراً على العبادة، بعد الاقتصار على أكلات محددة وإلغاء مأكولات أساسية اعتدنا طبخها». توافقها صديقتها المهجّرة من دير الزور إلى قدسيا التي تعتبر وضع المدينة رغم الغلاء «سبع نجوم»، مقارنةً بالحصار القاسي الذي شهدته مع عائلتها في دير الزور، وتوضح: «حالنا أفضل من غيرنا لكوني وزوجي موظفين حكوميين، لكنّ الغلاء أثر بعاداتنا الرمضانية، أصبحنا نكتفي بطبخة واحدة»، لتؤكد أن العزائم الرمضانية لم تعد متاحة حالياً بسبب تكاليفها الباهظة. حصار قدسيا الـ«سبع نجوم» يقابله آخر بلا نجمة واحدة، في المعضمية. تقول سيدة خمسينية التقيناها في أثناء شرائها «جوانح الفروج» بسعر 850 ليرة من باب سريجة: «عند مقارنة أسعار السلع هنا بأسعار المعضمية، أشعر بعدم وجود حرب. كيلو الملح يباع هناك بـ5 آلاف ليرة، فكيف باقي السلع»، مضيفةً أن رمضان المعضمية مختلف تماماً، فالأهالي لا يستطيعون إيجاد ما يأكلونه، والمساعدات الإنسانية التي تصل «بالقطّارة» لا تكفي لسدّ جوعهم. في مقابل معاناة العائلات الفقيرة، ما زال هناك من يعيش حياة التبذير الرمضاني دون تغيير. يقول أحمد إبراهيم (موظف بنك خاص) إن «أقل إفطار تعده أسرتي يحتاج إلى 15 ألفاً وعند إقامة وليمة عائلية نحتاج ضعف الرقم، ولا نزال نرتاد المطاعم في الإفطار والسحور، عادة اتبعناها سابقاً وبقينا محافظين عليها».

 

دعم المواطن

 

لا يستغرب الباحث الاقتصادي، سنان ديب، الغلاء الكبير في رمضان، فهو «ليس استثناءً عما قبله» وإن زادت الأعباء المعيشية أكثر. ويحمّل الحكومات المتعاقبة وخاصّة الحالية، المسؤولية لتفضيلها مصلحة التجار على المواطن. كذلك، يرى ديب أن وزارة التجارة الداخلية تتحمّل مسؤولية كبيرة عبر حمايتها للتجار وفساد أغلب عناصرها، بشكل يحول دون وجود قوة ضاغطة. اتهامات يرفضها معاون مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك محمود الخطيب، الذي يرى أن دوريات التموين تقوم بواجباتها، لكن مسؤوليتها تنحصر بمراقبة إعلان الأسعار وتداول الفواتير وليس بمقدروها خفض الأسعار. ويؤكد أنه نُظِّم 682 ضبطاً منها 192 ضبطاً خلال الأيام الأولى من شهر رمضان، لكنها (الضبوط) غير كافية لردع التجار.

فشل الرقابة في ضبط الأسواق لا يحمّله الدكتور السطل، للرقابة التموينية، لكونها عاجزة عن تحقيقه حالياً، ليبقى الحل الأفضل برأيه، عبر زيادة ضخ السلع بأسعار مقبولة في الصالات الحكومية. بدوره يرى الباحث الاقتصادي، سامر مصطفى، أن من الضروري إيجاد مصادر دخل جديدة للتكيف مع الغلاء، مع الاقتصاد في النفقات عبر شراء السلع الأكثر ضرورة من أسواق الجملة المخفوضة، والقيام بزراعات بسيطة على شرفات المنزل، إضافة إلى ضرورة طرح المواد الاستهلاكية في المؤسسات بكميات كبيرة وأسعار مخفوضة، مع إصدار بطاقة لكل أسرة فقيرة خاصة بالمواد المدعومة والمساعدات الإنسانية شهرياً، والعمل لخفض سعر الدولار ورفع الأجور

سيريا ديلي نيوز - الأخبار - رحاب الإبراهيم


التعليقات