لم يدر «أبو صفوان» كيف انتهى به الحال مع عائلته المكونة من خمسة أشخاص، أمام طريق مسدود، بعد أن شارف عقد إيجار الشقة على الانتهاء، ولم يجد بعد شقة بديلة يستأجرها، حيث ارتفعت الآجارات بشكل ملحوظ خلال فترة الأشهر الثلاثة التي قضاها في آخر شقة استأجرها.

أبو صفوان، يمضي يومه بالتنقل بين مكاتب عقارية عله يجد شقة معروضة للآجار بسعر يناسب ما يمكنه تأمينه، وبمستوى قريب من السعر الذي دفعه سابقاً، إلا أن أياً من جهوده لم تفلح حتى الآن، حسبما قال في شكواه.

إلى الشارع أو المأوى دُر!

وأوضح أبو صفوان «لم يقبل صاحب الشقة أن يمدد لي العقد، رغم أني عرضت عليه زيادة بسيطة، بحسب قدراتي، إلا أنه رفض بشدة، مطالباً بإخلائها فور انتهاء مدة العقد».

وتوقع أبو صفوان أن يكون «صاحب المنزل وجد من يدفع مبلغاً أكبر مما يدفعه، فهذا حال الجميع»، لافتاً إلى أنه قد يقصد «مركزاً للإيواء في حال لم يجد منزلاً يستأجره في نهاية المطاف، تفادياً لتشريد عائلته في الشارع».

ورغم إصدار تشريعات خاصة بالعقارات إلا أن الحال لم يتغير عما كان عليه قبل صدور تلك التشريعات، فمازال أصحاب المنازل والمكاتب العقارية المتحكم الأول في الأسعار.

وتشهد سوق العقارات نوعاً من الجمود، مع ضعف حركة البناء والعمران، إلا أن ذلك انعكس على الآجارات إيجاباً، حيث استغل أصحاب الشقق الفارغة وتلك غير المكسية الوضع، لرفع المبالغ التي يطلبونها مقابل تأجير ما يملكون من عقارات، بغض النظر عن حالها أو كسوتها أو موقعها البعيد، فضلاً عن الأثر الكبير لحركة النزوح للمناطق الآمنة على سوق العقارات، إذ بات الطلب يفوق العرض بأضعاف مضاعفة،  

25ألف للغرفة!

وتعتبر أحياء دمشق الأعلى سعراً في قيمة الآجارات، حيث يؤجر المنزل بمبالغ تبدأ من 25 ألف لغرفة غير مفروشة ومنافعها في الأحياء العشوائية، ويصل إلى 40-50 ألف للمنزل المفروش بمستلزمات قديمة سيئة الحال.

وترتفع القيمة لتصل إلى 80 ألف للمنازل المفروشة إلى حد ما، في المناطق المنظمة، و50 ألف للمنازل غير المفروشة.

ومع عدم ملائمة هذه الأرقام للأسر النازحة، التي خرجت من منازلها لتنجو بأرواحها، ولا تملك مالاً يسيراً، اتجه معظم النازحين إلى محيط العاصمة وريفها الآمن، بحثاً عن أسعار أقل من تلك المفروضة في العاصمة, وكانت الوجهة إلى جديدة عرطوز، وصحنايا، وجرمانا بشكل كبير.

وتؤجر الشقة متوسطة المساحة المفروشة بالكامل في جرمانا، بمبلغ 50 ألف ليرة شهرياً، في حين توجد شقق فارغة مؤجرة بسعر 20-25 ألف شهرياً.

وفي صحنايا، شهدت آجارات المنازل ارتفاعاً حيث كانت الأسعار تتراوح بين 20-35 ألف ليرة شهرياً، بينما بلغت مؤخراً حدود 50 ألف ليرة شهرياً، وتتقارب قيم الأجارات في الجديدة مع مثيلتها في صحنايا.

مواطنون: فقدنا الشعور بالأمان

وعبر أسعد، مستأجر في إحدى مناطق دمشق العشوائية، عن معاناته في قضية الإيجارات، وهي فرض دفع أجار 3 أشهر دفعة واحدة، وقال: «لا يمكن أن يقبل أي شخص أن يكون الدفع بشكل شهري، وهنا تكمن المصيبة الكبرى، فتأمين مبلغ يصل إلى 150 ألف ليرة دفعة واحدة، أمر شاق ومؤرق، لأن هذا المبلغ طبعاً لا يشمل أياً من تكاليف المعيشة الأخرى ومستلزمات الحياة من نقل وطعام ودواء وغيره من أمور ضرورية كل شهر».

وأضاف أسعد «النظام التي يتبعه أصحاب المنازل في تأجير المنزل لمدة 3 شهور فقط، تدفعنا للشعور بعدم الأمان طيلة الوقت، ولا نعرف السبب الذي يدفعهم لاعتماد هذا النظام الظالم لنا، حيث كنا سابقاً نستأجر المنزل لسنوات دون أية مشكلة، وفي حال رغب صاحب المنزل برفعها، يتم الاتفاق على ذلك حينها، دون اشتراط الإخلاء وعدم إمكانية التمديد كما هو الحال الآن».

ويساوي أو يفوق غالباً المبلغ المطلوب كآجار للمنازل، قيمة دخل الموظف الشهري، والذي يبلغ وسطياً 30 ألف، بينما تحتاج الأسرة السورية إلى حوالي 150 ألف ليرة لتأمين متطلبات المعيشة الأساسية، وفي حال الأسر التي تعيش في منازل مستأجرة يصل المبلغ بالحد الوسطي إلى 200 ألف ليرة شهرياً.

خلال 5 أشهر

 زادت الآجارات 17%

ومع الانهيار المتواصل لليرة السورية، انعكس ذلك على مختلف القطاعات والمجالات دون استثناء، وطال ذلك قيمة آجارات العقارات، وحول ذلك قال الخبير العقاري عمار يوسف لجريدة (قاسيون) إن «نسبة ارتفاع الآجارات منذ بداية العام الحالي وحتى الوقت الراهن (شهر أيار) بلغت 17 %، وذلك بسبب الارتفاع لسعر صرف الدولار أمام الليرة السورية».

وفيما يتعلق بتوفر عقارات للأجار حالياً، مع الاكتظاظ السكاني الكبير بسبب موجة النزوح التي أدت لتركز أعداد كبيرة من السكان في مناطق معينة على حساب المناطق الأخرى، قال يوسف إن «كل ثلاثة أشهر، تفرز السوق شريحة من العقارات معروضة للأجار، وذلك بسبب حصر عقود الإيجار بمدة 3 أشهر لا أكثر».

أما عن وضع السوق العقاري في البلاد مقارنة بدول أخرى، أفاد يوسف إن «النظام العقاري في سورية حديث لا يتجاوز عمره 30 عاماً، ويشوبه الكثير من الفوضى، ويعاني من انعدام وجود شركات للتأجير العقاري، حيث تقوم مثل تلك الشركات ببناء منازل مخصصة للآجار»، معتبراً الوضع غير قابل للتسوية في الوقت الراهن.

وعن الأسلوب المتبع في عدة دول، من حيث قيام البلدية بدور شبيه لدور المكتب العقاري، مع إلغاء وجود الأخير، بحيث يعرض المواطنون ما لديهم من عقارات يرغبون بتأجيرها لدى البلدية التي  تتولى عملية التأجير والاتفاق مع المستأجر، وفي النهاية تكون الدولة طرفاً وسطاً بين المؤجر والمستأجر، بما يضمن حقوق الطرفين، ويمنع أي احتكاك قد يفضي لخلاف، أكد الخبير العقاري عمار يوسف، إن هذا النظام غير قابل للتطبيق في سوق العقارات السوري، للاختلافات الكبيرة بين السوق المحلي والسوق الخارجي.

وكان آخر مرسوم ناظم لقطاع العقارات صدر في تشرين الثاني الماضي، نص أن العقد شريعة المتعاقدين، وحدد قيم الأجارات بالنسبة للعقارات المؤجرة لمختلف الأغراض، إلا أن المشكلة الحقيقية تبقى في عدم وجود آلية واضحة تضبط أسلوب وأسس تقييم العقارات بما يتيح التوصل لقيم مجزية سواء لأغراض البيع أو الآجار، حيث ما زالت الأهواء الشخصية والجشع المتحكم الأول بهذا الجانب، في ظل غياب أسس رسمية واضح ودقيقة.

الجشع ليس

 سبباً وحيداً.. بل السياسات أيضاً

أخيراً من الجدير قوله أن ارتفاع بدلات الإيجار، وتوالي ارتفاعها، لم يكن سببه الوحيد هو الجشع والطمع في الجانب الاقتصادي من العلاقة بين المؤجر والمستأجر، وكأن الموضوع بات مرتبطاً بالأخلاق العامة أو الخاصة فقط، بل هناك سبب اقتصادي جوهري لا يمكن إغفاله والمتمثل بحالة التضخم الناشئة عن جملة الواقع الاقتصادي العام بنتيجة الحرب والأزمة، والمتمثل عملياً بتدني القيمة الشرائية لليرة يوماً بعد آخر، بالإضافة إلى غيرها من التجليات الاقتصادية السلبية الأخرى، والتي لم تعكف الحكومة على معالجتها بالشكل المناسب، بل زادتها سوءاً عبر سياساتها وإجراءاته

سيريا ديلي نيوز


التعليقات