الحديث عن الفساد في البلد هو حديث ذو شجون، وذلك لما وصلت إليه حالها وحال المواطن جراء هذا الفساد المستشري، الذي طال المؤسسات العامة والخاصة على السواء، وعلى مناحي الحياة كافة ، وعلى المستويات كافة دون استثناء، وما للفساد من آثار مباشرة على البنية الاقتصادية ومخرجاتها، كما على البنية الثقافية والاجتماعية العامة، وغيرها من البنى الأخرى في البلد.

ولعل تركيز الأضواء على الفساد الكبير والمستتر هو الأهم والأولى من التركيز على الفساد الصغير، حيث أن الثاني هو تابع وثانوي والأول هو الرئيسي والأساسي، حيث أن الحلقات الصغيرة من شبكات الفساد المنتشرة لها الحصة الأصغر، كما أنها موجودة في واجهة الحدث دائماً، لتحميلها الأوزار، وللتضحية بها عند اللزوم، أما الحلقات الكبيرة من تلك الشبكات، والتي تعتبر أكثر تماسكاً وارتباطها ممتد إلى خارج الحدود، فهي مستترة وغائبة عن الواجهة، ومغيبة لأحيان كثيرة، وهذا ما لمسناه ورأيناه خلال الأعوام المنصرمة.

 

كما لا يمكننا أن نفصل بين ظاهرة الفساد، وتغولها وانتشارها، بمعزل عن السياسات العامة المعمول بها، اعتباراً من سياسة الإفقار عبر تثبيت الأجور وإلغاء الدعم، مروراً بمحاباة أصحاب الرساميل من تجار ومستوردين وسماسرة ومضاربين، وليس انتهاءً بتحرير الأسعار وفتح الأسواق، وغيرها من السياسات الليبرالية الأخرى، التي تعتبر بيئة مساعدة ومناسبة ومؤاتية للفساد، والتي أصبح عمرها عشرات السنين في البلد، مما عزز وقوى من إمكانات الفساد، وفسح المجال أمامه لتوسيع قاعدته وشبكاته العاملة، داخلاً وخارجاً.

غياب حكومي

على الرغم من التصريحات والوعود والخطط والمتابعات، من قبل الحكومة، كما من قبل غيرها من المؤسسات والجهات المعنية، إلا أنه وحتى تاريخه مازال للفساد اليد الطولى في الكثير من مفاصل حياتنا اليومية، كما لم يصدر عن الحكومة أي تقدير عن حجم الفساد الذي يتم الحديث عنه، والمعاناة منه، باستثناء تقدير وحيد صدر في منتصف العشرية الأولى من هذا القرن، عبر المكتب المركزي للإحصاء، والذي قدر حجم الفساد بـ 30% من كتلة الناتج المحلي الاجمالي بحينه، وعلينا أن نقدر ما صار عليه حجمه الآن، وخاصة بظل أزمتنا التي طال فيها الفساد واستطال، ولن نكون مبالغين إن قلنا بأنه قد تجاوز الـ 50% الآن، على أقل تقدير، بظل الفلتان وواقع دخول شرائح جديدة على خطاه، تتمثل بتجار الحرب والأزمة الحاليين وشركائهم، والذين طال فسادهم عمليات الخطف والفدية والتجارة بالأعضاء، بالإضافة إلى الإتجار بالسلاح والمخدرات والرقيق الأبيض والقطع الأجنبي، وغيرها من تجارات الفساد الأخرى، والتي باتت عابرة للحدود، ومتحالفة فيما بينها بشكل وثيق، وكأن الحكومة غائبة عما جرى ويجري، حيث لم يتم تكليف أية جهة حتى تاريخه بالعمل على محاولة توثيق رقم تقريبي لتلك التجارات والممارسات الضارة للفساد كلها، ليس بالمواطن وبالاقتصاد الوطني فقط، بل بالمصلحة الوطنية العليا.

التأمينات مثالاً

وقد تداولت وسائل الإعلام في الأيام المنصرمة الحديث حول الكشف عن ملف فساد طال عدداً من العاملين في مؤسسة التأمينات الاجتماعية، بفرع دمشق وبعض الفروع الأخرى، وبعض الوكلاء وأحد كاتبي العدل، والمقدر حجمه بما تجاوز 2 مليار ليرة سورية، هي عبارة عن استحقاقات رواتب متقاعدين في بعض المحافظات، تم التلاعب بها بأوجه غير مشروعة حسب القوانين والتعليمات النافذة، وذلك خلال عامي 2014- 2015.

يشار إلى أن هذا الملف كان قد تم اكتشافه عبر التدقيق المالي الذي جرى من قبل الجهاز المركزي للرقابة المالية للعامين المذكورين، والذي خلص بنتيجتها إلى تقرير يتضمن بعض التوصيات والاقتراحات، مثل إحالة البعض إلى القضاء، وتحريك دعاوى الحق العام بحقهم، بالإضافة إلى الحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة على البعض وزوجاتهم، واقتراح بصرف بعض العاملين من الخدمة، وذلك بما يتناسب مع حجم مسؤولية كل منهم استناداً للتحقيقات والوثائق والثبوتيات، والذي تم إحالته بالنتيجة إلى النائب العام من أجل استكمال الإجراءات القانونية والقضائية حسب الأصول.

تهويل أم حقيقة؟

وبالعودة لما سبق الحديث عنه أعلاه، فإن الـ 2 مليار ليرة الذي تم الحديث عنها، فيها شيء من التضخيم والتهويل، لا نعلم لماذا!، حيث أن منها جزءاً هاماً هو عبارة عن صرفيات بحاجة لإعادة التوثيق والتدقيق، ومنها ما يمكن أن يدخل بحيز التزوير والكسب غير المشروع، وهو ما تم توضيحه عبر تقرير الجهاز المركزي عندما أكد على تسمية مخالفات لأكثر من مرة، سواء بالحديث عن تجاوز التعليمات أو باعتماد الوكالات غير المصدقة وغيرها، وذلك ما يمكن أن يتم توضيحه وتوصيفه وتحديد المسؤوليات وتبويب الاتهامات، كما واتخاذ العقوبات عبر القضاء لاحقاً، كونه صاحب الكلمة الفصل بالنهاية.

ما يعنينا من أمر، هو سعي البعض لإظهار الحالة والرقم وكأننا أمام ذاك الفساد الكبير، الذي تحدثنا عنه فيما سلف، وهو عملياً ليس كذلك، على الرغم من أهميته، ولكن ما تجدر الإشارة إليه، والتوقف عنده، هو تلك المقارنة التي باتت واجبة، بعد العديد من ملفات الفساد الصغيرة الأخرى التي تم اكتشافها والإعلان عنها، هنا وهناك في المؤسسات العامة، فإذا كان الملف آنف الذكر قد استعرض وثائق وثبوتيات عامين فقط، وفي بعض الفروع، وفي مؤسسة واحدة من المؤسسات العامة، فما بالنا بحالة التعميم المطلوبة، والتي باتت أيضاً واجباً العمل عليها، بالإضافة إلى أن الحالة المذكورة طالت العاملين في الحلقات الثانية والثالثة وبعض ارتباطاتها الصغيرة هنا وهناك، فما بالنا عندما تبدأ لتطال الحلقات الأولى وارتباطاتها الكبيرة، فهل سيكون عندها الحديث عن 2 مليار رقماً كبيراً أم صغيراً؟!.

نعم هذا الملف الذي تم تداوله واستعراضه، ما هو إلا ملف صغير جداً بحجمه وأدواته والفاعلين والمستفيدين منه، كما غيره من الملفات الصغيرة الأخرى، بالمقارنة مع حجم الفساد الكلي، وخاصة الكبير الذي نريد أن توضع له الحدود، ويحال مرتكبيه، الكبار قبل الصغار، إلى القضاء لينالوا جزاءهم كما العمل على تحصيل الأموال المنهوبة عبره، داخلاً وخارجاً، لتعود إلى الخزينة العامة.

قفز على الواقع

والحال كذلك فإن من أولى الأولويات هو أن يتم القطع التام مع تلك السياسات الحكومية التي كانت أحد الأسباب الأساسية والرئيسية لتغول الفساد وانتشاره، على حساب الوطن والمواطن، ولمصلحة قلة قليلة من التجار والمستوردين والفاسدين والمهربين والمضاربين، وكفانا قفزاً على الواقع وتداعياته، فكيف يمكن مثلاً أن تعتمد سياسة عامة للأجور لا تكاد تكفي المواطن أسبوعاً واحداً على بعض متطلبات المعيشة الأساسية فقط، فمن أين لهذا المواطن أن يستكمل معيشته ومتطلباته؟، وعندما يتهرب التجار والمستوردون الكبار من الضرائب والرسوم، على الرغم من مراسيم وقوانين التخفيضات عليها كلها، بالإضافة إلى الاعفاءات الكثيرة الأخرى، ويفسح المجال قانونياً أمام هؤلاء لتحويل أموالهم وأرصدتهم بالقطع الأجنبي للخارج، وفي الوقت نفسه تبحث الحكومة عن موارد لخزينتها من رقاب العباد، الذين باتوا جائعين أصلاً، أليس في ذلك أرضية كافية للفساد وتداعياته؟، وغيرها الكثير من الأمثلة الأخرى، والتي تتهرب الحكومات المتعاقبة من الإجابة عليها، كما لم تسعى إلى حلها ومعالجتها، بل ومتمسكة بالسياسات التي أفرزت وساعدت على انتشار الفساد.

ارتباطات بحكم المؤكد

مع لفت النظر إلى أن مبررات الحرب والأزمة التي تتذرع بها الحكومة دائماً، هي نفسها تلك الأسباب الموجبة والواقعية والحقيقية التي تفرض القطع مع تلك السياسات، كما تفرض الجدية في محاربة ومكافحة الفساد، وخاصة الكبير، حفاظاً على مقدرات البلد، ولمصلحته ومصلحة المواطنين، خاصة وأن الفساد لم يعد ظاهرة فقط، كما يود البعض أن يصوره، لتخفيض مستويات المواجهة والمجابهة معه، بل بات قاتلاً في الكثير من أوجهه العفنة التي ظهرت مؤخراً، والتي تم ذكر بعضها سابقاً، ناهيك عن مستويات ارتباطاته التي لم تعد مشبوهة، بل واقعاً ملموساً، مع أشباهه من القتلة والمأجورين، داخلاً وخارجاً، على اختلاف مسمياتهم وراياتهم ومشاريعهم.

سيريا ديلي نيوز - قاسيون


التعليقات