سيريا ديلي نيوز _ موسى حاج عبدو

بما أنّ الأسرة هي الخلية الأصغر والأهم في المجتمع، فلا بد أن تتوافر في تأسيسها مجموعة عوامل ومقومات تمنحها الاستمرارية والديمومة، وفي صدارة هذه العوامل رضا الركنين الأساسيين (الزوج والزوجة) مع وجود توافق اجتماعي ثقافي ومادي بينهما وبين عائلتيهما، ولكن في المجتمعات الشرقية عموماً و(المجتمع السوري مثالاً)، كثيراً ما نرى تدخل الأهل (الآباء والأمهات والأعمام وغيرهم...) في أدق تفاصيل هذه الخلية، بدءاً من اختيار الشريك إلى السكن وانجاب الأولاد والمأكل والمشرب، وهذا هو التصور البسيط لواقع الزواج، لكن هناك شكلاً من زواج يتعدى هذا التصور، وهو زواج المصالح الذي يفرضه الأهل على الفتاة أو الشاب دون مراعاة لمشاعرهما ــ لمصالح عائلية بحتة لا تعير أي اهتمام لسعادة الشاب والفتاة الباحثين عن الاستقرار وبناء الأسرة ـ وقد تكون المصالح (مادية – معنوية – سياسية...)، وللتنويه زيجات المصالح تلك ليست أسير المجتمعات الشرقية فحسب، هي موجودة لدى كل الأمم والشعوب، الزواج بحد ذاته مصلحة متبادلة (عاطفياً – معنوياً – نفسياً – جنسياً – مادياً - ...).

في متابعة تاريخية لزواج المصالح وماهيتها، نجد أنها موجودة منذ القدم، فكم تزوج أمراء ممالك ودول من أميرات ممالك ودول أخرى بهدف إنهاء حرب أو توطيد العلاقات، فقد تزوج أخناتون الفرعوني مثلاً من الأميرة نفرتيتي الميتانية، فالهدف سياسي بحت، وهذا ما يمكن تسميته "بالزواج السياسي".

ففي مجتمعنا السوري الذي تشكل العشائر بنيته الأساسية، ولاسيما في الأرياف والبادية كثيراً ما نجد "زيجات مصالح" يقررها شيوخ العشيرة ورؤساؤها ولا يعلم بها العريسان إلا في ليلة الدخلة، ومتعارف أنّ الشاب يمنع تزويج ابنة عمه من خارج العشيرة بحجة أحقيته "بعرضه هو"، وهو ما يسمى "الحيار"، مع أن الدين الإسلامي شجع على الزواج من أباعد وليس الأقارب مما يشكل ذلك خطراً على الأبناء من حيث ضعف البنية وتوارث الأمراض، لكن في سبيل المصلحة يتم التغاضي عن هذه العادة والقبول للزواج من خارج العشيرة بغية عقد صلح بين عشرتين أو حتى بين أفخاذ وبطون العشيرة الواحدة.

وأما حال زيجات المصالح في المجتمع المدني (المدن الكبيرة) فتختلف شكل ومضمون المصلحة مقارنة مع الطابع العشائري، وكما أن لها أشكال متنوعة منها، زواج أبناء وبنات في العائلة الواحدة أو فيما بين العوائل الميسورة لكي   لا يخرج الميراث إلى خارج العائلة.

وهناك زواج مادي، كإجبار أهل الفتاة أو الشاب، للزواج بأحد أفراد عائلة غنية، من أجل كسب المال والثروات، وقد توجد مصالح أخرى في هذا الشكل من الزواج، كأن يزوج الأب أبنته لشخص يطالبه بماله، فهي عملية مقايضة بامتياز، ضحيتها فتاة تستبدل بالمال.

وفي شكل الزواج من أجل المادة، ليس بالضرورة دائما أن يكون الأهل هم الطامحين لكسب المادة على حساب بناتهم وأبنائهم، هناك حالات يأخذ فيها الشاب والفتاة ذات الدور، كبحث الشاب عن ارتباط بفتاة من عائلة غنية، وغالباً ما تكون أكبر منه بالعمر، بغية حصوله على ثروة ومال بطبق من ذهب، وليصبح ثرياً، أو الارتباط بشابة موظفة ولها راتب شهري، طمعاً براتبها، وأما بالنسبة للفتاة فالعكس هو الصحيح أيضاً، وكما يوجد  زواج يرمي أحد الزوجين للحصول على جنسية أو إقامة في دولة أوروبية وسرعان ما يتوقف قطار الحياة الزوجية  بعد أن يحصل أحد الطرفين على مبتغاه.

وهناك شكل مختلف لزواج المصلحة، وهو التزويج الفتاة بهدف الستر على فضيحة، فالمصلحة التي تحققها العائلة هي الحفاظ على كرامتها وسمعتها بين الناس.

واما في خلال سنوات الأزمة في سورية، ظهرت أشكال جديدة من زواج المصالح، ومنها ما تتمثل من زواج القاصرات من رجال مغتربين، ومن ناحية أخرى ظهرت حالة من الزواج لدى بعض العوائل النازحة، وهي تزويج بناتهم لأشخاص بمجرد أن لديهم مسكن في قرية أو مدينة، بهدف الخلاص من المخيمات والانتقال مع بناتهم إلى مكان يتوفر فيه مسكن مثالي وخدمات.

وكما شهدت المخيمات خارج سورية خلال الأزمة حالات استغلال لفتيات قاصرات، كما حدث في مخيمات اللجوء في تركيا والأردن، كتزويج الأهل لأبنتهم مقابل حفنة من الدولارات أو الريالات، ولعل أن أوضح مثال كما حدث في مخيم الزعتري في الأردن، وتوافد زبانية من الخليج إلى ذاك المخيم بغية حصولهم على عن زوجة، حقيقة الأمر إن غصنا عميقاً في بحر البحث عن أشكال زيجات المصالح سنجد أشكالاً كثيرة، منها تقشعر لها الأبدان ومنها ما تستدعي الحزن والألم، ومنها ما تثير الغرابة والعجب.

وحتماً  سلبيات زيجات المصالح تفوق ايجابياتها، ربما بسبب عدم وجود التوافق الفكري والعمري بين الزوجين في هذه الزيجات المحكومة بالمصالح العائلية والعشائرية والفردية فقط، وستنتهي على الأغلب بالفشل والطلاق،  ونستطيع القول أنّ هذا الزواج يجعل الشخص فرداً في قطيع يتم التحكم به، وفي نمط حياته، إذاً فالزواج الأصلح والأضمن في استمراريته هو الزواج المبني على تحقيق المصالح المشتركة للزوجين، والذي ينطلق من أهمية تأسيس أسرة مثالية بعيدة عن التداخلات والتجاذبات والمشاحنات الخارجية، ويجب على الزوجين الاتفاق قبل الدخول في قفص الزواج، ويؤمنا أنّ حياتهما مع بعضمها ليس مجرد عقد محدد بجدول زمني معين، وان يتعاهدا أنهما سيوفران مناخاً ملائماً يساعدهما على بناء أسرة سعيدة يسوده جو من الألفة والاحترام، مع وضع أسس تربية سليمة لأولادهما، إضافة لسعي لتوفير الملاذ الآمن والتعليم لهم، والعمل سوية لإيصال أسرتهم لدرجة مرموقة في المجتمع.

التعليقات