85% من السوريين في حالة فقر




صدر مؤخراً عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «الفاو» تقرير عن حالة الأمن الغذائي والتغذية في العام 2017، بعنوان: ما مدى قربنا من القضاء على الجوع؟
في مقدمة التقرير ورد: «هناك أكثر مما يكفي من الأغذية المنتجة في العالم لإطعام الجميع، ولكن لا زال يوجد 815 مليون شخص يعانون من الجوع.. إن الأمن الغذائي حالة معقدة تتطلب نهجاً شاملاً إزاء جميع أشكال سوء التغذية، وإنتاجية ودخل صغار منتجي الأغذية، ومرونة نظم إنتاج الأغذية، والاستخدام المستدام للتنوع البيولوجي والموارد الوراثية».

الجوع يؤثر على 11% من سكان العالم


التقرير يؤكد على أن الجوع العالمي آخذ في الارتفاع، مما يؤثر على 11% من سكان العالم، بالإضافة إلى الزيادة في نسبة سكان العالم الذين يعانون من الجوع المزمن (انتشار نقص التغذية)، فقد ارتفع العدد التقديري للأشخاص الذين يعانون من نقص التغذية من 777 مليون في عام 2015 إلى 815 مليون في عام 2016.
كما أشار التقرير إلى أنه: «في السنوات العشر الماضية، ازداد عدد النزاعات العنيفة في العالم بشكل كبير، وأصاب المجتمعات الريفية بشكل حاد ولها تأثيرٌ سلبي على إنتاج الأغذية وتوافرها».

 

نقص التغذية والأمراض المزمنة


نقص التغذية مرتبط ببعض الأمراض المزمنة غير المعدية، وقد توقف التقرير عند هذا الترابط وفقاً لستة مؤشرات للتغذية، والمؤشرات بحسب الحالة الراهنة للتغذية في عام 2016 هي:
_ الأطفال (دون سن الخامسة) الذين يعانون من التقزم، عددهم 154,8 مليون.
_ الأطفال (دون سن الخامسة) الذين يعانون من الهزال، عددهم 51,7 مليون.
_ الأطفال (دون سن الخامسة) الذين يعانون من الوزن الزائد، عددهم 40,6 مليون.
_ البدانة لدى البالغين بلغت بمقدار 40,6 مليون.
_ عدد النساء في سن الإنجاب اللاتي يعانين من فقر الدم بلغ 613,2 مليون.
_ الرضاعة الطبيعية الخالصة للرضع الذين تقل أعمارهم عن ستة أشهر بعدد 60,3 مليون.
مع الإشارة إلى أن التقزم، توقف النمو، يزيد من خطر ضعف القدرة المعرفية، وضعف الأداء في المدرسة والعمل، والوفاة، كما أن البدانة تمثل عامل خطر رئيس للأمراض غير المعدية، بما في ذلك أمراض القلب والأوعية الدموية، وداء السكري، وبعض أنواع السرطان، والرضاعة الطبيعية لها أكبر أثر وقائي على وفيات الأطفال، وتقلل من خطر الوزن الزائد والبدانة في وقت لاحق من الحياة بنسبة 26%.

الجوع ومناطق النزاع
بحسب التقرير، فإن الجوع وسوء التغذية مرتبطان بالنزاعات بعلاقات معقدة، حيث ورد أنه من أصل 815 مليون شخص في العالم يعانون من انعدام الأمن الغذائي وقصور التغذية المزمن، فإن الغالبية العظمى، 489 مليون شخص، يعيشون في البلدان المتضررة من النزاعات، وهذه النسبة أكثر وضوحاً في مجال نقص التغذية لدى الأطفال، حيث يعيش 122 مليون طفل تقريباً، أو 75% من الأطفال دون الخامسة من عمرهم المصابين بالتقزّم في بلدان تعاني من نزاعات.
ويضيف التقرير: «ارتفع مؤخراً عدد النزاعات العنيفة وحالات الوفاة المتصلة بها. وقد ازدادت النزاعات العنيفة بشكل كبير منذ عام 2010، وهي حالياً عند أعلى مستوى لها من أي وقت مضى، كما أن الحروب الأهلية والنزاعات الداخلية باتت تفوق اليوم، من حيث عددها، النزاعات القائمة بين الدول أو النزاعات الخارجية بين الدول. وبعبارةٍ أخرى، جرى تحوّل من نزاع بين الدول إلى نزاع في داخلها. وفيما تصبح النزاعات الداخلية أكثر بروزاً، يتزايد احتمال تدخل الأطراف الخارجية أو تعرّضها لآثار العنف، فتتحوّل النزاعات المحلية إلى نزاعات إقليمية أو قارية حتى».

 

ربع الأطفال السوريين مصابون بفقر الدم


التقرير أفرد عن الوضع في سورية عدة فقرات، حيث ورد: «يشكل النزاع عاملاً أساسياً لنزوح السكان، فيصبح هؤلاء النازحون من بين الأكثر ضعفاً في العالم، إذ يعانون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي ونقص التغذية. وقد ارتفع عدد اللاجئين والمهجرين داخلياً بشكل كبير في ظل تزايد عدد النزاعات، حيث أنه تضاعف بين عامي 2007 و 2016 وبلغ حوالي 64 مليون شخص. وحالياً، بات شخص واحد من كل 113 شخصاً إمّا لاجئاً، أو نازحاً داخلياً، أو طالب لجوء. فالصراع والعنف يسببان انعدام الأمن الغذائي في المجتمعات المضيفة ويطيلان منه. فعلى سبيل المثال، دفعت الحرب في الجمهورية العربية السورية أكثر من 6 ملايين شخص إلى الفرار من ديارهم إلى مواقع أخرى داخل البلد و 5 ملايين آخرين إلى البلدان المجاورة».
ويضيف عن سورية: «بعد أن كان الاقتصاد في الماضي اقتصاداً ناشطاً متوسط الدخل، بات 85% من السكان يعيشون اليوم في حالة من الفقر، وأشارت التقديرات إلى أن 6,7 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد ويحتاجون إلى مساعدة إنسانية طارئة، في حين ارتفعت مستويات سوء التغذية الحاد، في معظم المناطق، كما أن ربع الأطفال دون الخامسة من عمرهم، والنساء البالغات تقريباً مصاباتٌ بفقر الدم، واليوم أصبح الإنتاج الزراعي منخفضاً في البلد، حيث لا يستطيع نحو نصف السكان تلبية احتياجاتهم الغذائية اليومية. ولم تستتبع سنوات النزاع الطويلة آثاراً مدمّرةً تراكميةً على الاقتصاد والبنية التحتية، والإنتاج الزراعي، والنظم الغذائية والمؤسسات الاجتماعية فحسب، إنما أيضاً وبصورة عامة على قدرة الأشخاص على التأقلم. ويستمر منذ عام 2011 نزوح السوريين الساعين إلى الهروب من النزاع، ولا سيما باتجاه البلدان المجاورة».

 

انعدام الأمن الغذائي سبب باعث على العنف


حسب التقرير، يعيش في المتوسط 56% من السكان في البلدان المتأثرة بالنزاعات في المناطق الريفية، حيث تعتمد سبل كسب العيش إلى حدّ بعيد على الزراعة. وبالفعل، تؤثر النزاعات سلباً على كل جانب تقريباً من جوانب الزراعة والنظم الغذائية، بدءاً من الزراعة، والحصاد، ومروراً بالتجهيز والنقل وصولاً إلى الإمداد بالمدخلات، والتمويل والتسويق. وفي العديد من البلدان المتأثرة بالنزاعات، ما زالت زراعة الكفاف تحتل أهمية جوهرية بالنسبة إلى الأمن الغذائي لجزءٍ كبيرٍ من السكان، وتتضاعف مشاكل الانعدام الحاد في الأمن الغذائي وسوء التغذية، حين تفاقم الأخطار الطبيعية، مثل: موجات الجفاف والفيضانات.
ويضيف التقرير: «يمكن أن يصبح انعدام الأمن الغذائي بحدّ ذاته سبباً باعثاً إلى العنف وعدم الاستقرار، وبخاصة في سياقات تطبعها أوجه منتشرة من اللامساواة والمؤسسات الضعيفة. ولذلك، فالتدخلات المراعية للنزاعات والحسنة التوقيت الرامية إلى تحسين الأمن الغذائي والتغذية قادرة على المساهمة في إدامة السلام».

 

الرأسمالية مولدة الجوع


لا مشكلة حسب التقرير في الكم المنتج من الغذاء فهو كافٍ لإطعام الجميع، لكن تكمن المشكلة في سوء توزيعه، واستخدامه كعامل لاستمرار النزاعات والحروب، وبالتالي يمكننا القول: إنه وفي ظل استمرار البنية الاقتصادية الاجتماعية للنظام الرأسمالي، السائد عالمياً والمهيمن عليه أمريكياً، بنموذجه الأكثر وحشية والمتمثل بالليبرالية الجديدة، ستتزايد مستويات انعدام العدالة في توزيع الثروة والغذاء، واللامساواة وصولاً إلى المزيد من انعدام الأمن الغذائي المعزز لاستمرار النزاعات واستثمارها، وبالتالي فإنه لا سبيل للقضاء على الجوع، فهذه البنية الاستغلالية مولدة للجوع وتستمر من خلاله.
ولعل كسر هذه السيادة والهيمنة، وصولاً إلى تغيير البنية الرأسمالية نفسها بنموذجها المتوحش، تعتبر من القضايا المفتاحية على هذا المستوى، وربما بهذا الصدد تجدر الإشارة إلى أهمية ما يجري على مستوى التغير البنيوي في العلاقات الدولية الجديدة التي تفرض نفسها بقوة من خلال القوى الصاعدة، دولياً وشعبياً، والتي تتصدر مشهديتها الفاعلة كل من روسيا الاتحادية والصين الشعبية، حيث بدأت مظاهر التوازن الدولي الجديد تتضح وتقوى، كما أن نتائج هذا التوازن بدأت تظهر تباعاً، اعتباراً من فرض النموذج الجديد في العلاقات الدولية، وكسر التبادل اللامتكافئ بين الدول تباعاً، مروراً بالانكفاء والتراجع الأمريكي، وليس انتهاءً بمساعي إطفاء بؤر التوتر والصراع عالمياً بالطرق السلمية، فرضاً من القوى الصاعدة، ونحو المزيد من المكاسب التي سيتم حصادها على مستوى مصالح الشعوب وحقوقها، بما في ذلك وأهمها بالنسبة لنا هو: الحل السياسي وفقاً للقرار 2254 الذي فرضته القوى الصاعدة دولياً، والبدء بتنفيذه حرفياً، إنهاءً للكارثة الإنسانية، وصولاً إلى التغيير الديموقراطي الجذري والعميق والشامل، بما يحقق أعلى معدلات نمو وأعمق وأوسع عدالة اجتماعية.

قاسيون

عاصي اسماعيل

 

 

 

 

سيريا ديلي نيوز


التعليقات