خبا بريق البرامج التأمينية والشعارات الرنانة التي رافقت نشأة شركات التأمين في ظل الأزمة، ليغيب قطاع التأمين عن مسؤولياته الاجتماعية التي أعلن عنها منذ قدومه إلى سورية من الوعي التأميني والعمل الخيري، ولاسيما أن القطاع حقق وفورات مالية كبيرة خلال سنوات ما قبل الأزمة، لم توظف في خدمة الاقتصاد الوطني الذي احتضنها وقدّم لها ميزات مكّنتها من تجميع رؤوس الأموال على حساب الوطن والمواطن، فانكفاء شركات التأمين وغياب دورها خلال الأزمة، فتح الباب أمام جملة من الأسئلة المحورية التي حاولنا رصد أجوبتها من المعنيين في هذا القطاع، علّنا نصل إلى توصيف حقيقي لتعرية الأسباب التي غيّبت شركات التأمين عن أداء دورها، في الوقت الذي يجب فيه أن تكون في صدارة من يقدّم الدعم للاقتصاد الوطني، ويفتح المجال للجهات الرسمية لمحاسبة المقصّرين وتوجيه التسهيلات لمن يعمل في مضمار المصلحة العامة.

في الوقت الذي لم يتجلَّ فيه ما جمعته شركات التأمين الخاصة من عائدات مالية في سنوات ما قبل الأزمة وخلالها بمشاريع وطنية أو خيرية، تعتبر بعض هذه الشركات أن بقاءها إلى الآن على أرض الواقع هو أفضل إنجاز، إلى جانب عدم تهرّبها ضريبياً، وتقديم التزاماتها والمحافظة على كوادرها، وفي هذا السياق يبرّر عضو مجلس إدارة شركة الثقة للتأمين مهند السمان انكفاء الدور الاجتماعي والتأميني لهذه الشركات خلال الأزمة بارتفاع المخاطر وغياب معيد التأمين الخارجي الذي قيّدته العقوبات الاقتصادية المفروضة على سورية، وتقلّص رأس مال شركات التأمين بالقرار الذي قضى بتحويل رؤوس أموالها من الدولار إلى الليرة السورية، حيث أكد السمان أن رأس مال شركة الثقة لا يتجاوز 500 ألف دولار حالياً، في حين بلغ قبل القرار 17 مليار دولار، بالإضافة إلى غياب تأمين النقل وحريق المنشآت والمعامل خلال الأزمة الذي يوفر الدخل الأكبر، وبالتالي اقتصر دورها خلال الأزمة على تأمين السيارات والتأمين الصحي، على الرغم من تأكيده خسارة قطاع التأمين الصحي بنسبة تتراوح بين 120 إلى 140% نتيجة ارتفاع أسعار مستلزمات هذا النوع من التأمين، مشيراً إلى المشاركة في بعض الأعمال الخيرية التي تستهدف أسر الشهداء والجرحى، وبعض المنتجات التأمينية الموجهة للأفراد ضد الإرهاب.
ونقلا عن مصدر صحفي أكد السمان أن شركة الثقة قدّمت مقترحات لمشاريع استثمارية تساهم في دعم الاقتصاد الوطني، كمؤسسة “تمويل عقاري” لبناء عقارات وتمّت مراسلة الجهات المعنية، إلا أنها لم ترَ النور إلى الآن، مؤكداً قدرته على المساهمة بأي مشروع استثماري يعود بالنفع على الوطن، ليرمي الكرة في ملعب الجهات المعنية لإقرار التشريعات اللازمة لانخراط شركات التأمين في مشاريع استثمارية تنعش الاقتصاد الوطني

ورأى رئيس هيئة الإشراف على التأمين سامر العش أن واقع القطاع التأميني لم يكن مستقراً، مبيّناً أن السنوات الأولى لبدء العمل في القطاع التأميني كانت فترة تأسيس وتحضير لوجودها في السوق السورية، ومن ثم جاءت المقاطعة الاقتصادية خلال الأزمة لتعرقل عجلة الانطلاق لهذا القطاع، وبيّن العش نشاط بعض الشركات في التعاقد مع شركاء أوروبيين رغم المقاطعة بفضل علاقاتهم الشخصية، إلا أن تذبذب سعر الصرف أدّى إلى تقلص نشاط الشركات وتراجع أرباحها لعدم امتلاكها إمكانية تلبية الأسعار الجديدة للمنتجات التأمينية، ومن خلال رؤيته أكد العش أن شركات التأمين لديها الكثير من المشكلات التي يجب النظر بها وإيجاد الحلول لها قبل مطالبتها بدورها، من خلال تأمين الأدوات والمساعدة بالتدريب ونشر الوعي وتفعيل التشريعات وتطوير القرارات، من خلال قانون التأمين الجديد الذي تعمل الهيئة على إصداره قريباً.
وفي جوابه عن دور الهيئة الرقابي أكد العش أن بعض الشركات لديها انخفاض كبير في أدائها، لذلك ستتم محاسبة أية شركة تتوقف عن العمل لمدة ستة أشهر دون أعذار حقيقية، وستعمل الهيئة خلال ثلاثة أشهر على تقييم واقع جميع الشركات واتخاذ الإجراءات المناسبة بحق المقصّرين.
ظروف الأزمة والمقاطعة الاقتصادية التي أدّت إلى ظهور صعوبات كبيرة، وخاصة في مجال تأمين “معيد التأمين الخارجي” هي السبب في تراجع أداء شركات التأمين، برأي رئيس الاتحاد والمدير العام للمؤسسة السورية العامة للتأمين إياد الزهراء، إضافة إلى حالة الانكماش الاقتصادي والتضخم الذي أصاب الليرة السورية وضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين، والتخوّف من توسيع النشاطات التجارية في ظل ظروف الأزمة المحفوفة بالمخاطر، حيث شكّلت بمجملها عقبات تحدُّ من عمل شركات التأمين حسب الزهراء، كما ابتعد رئيس الاتحاد عن إلقاء اللوم على تقصير شركات التأمين في هذه الظروف بقوله: إن تفعيل دور شركات التأمين بشكل عملي يحتاج إلى عودة الحياة الاقتصادية حتى تتمكن من العمل، ولذلك يعمل الاتحاد على خلق تجمع لهذه الشركات لتشكّل بموجبه قوة اقتصادية تعوّض رأس المال المتآكل، ومن ثم تنطلق لتنفيذ أجندتها وأهدافها، وأوضح الزهراء أن سبب ابتعاد شركات التأمين عن المشاريع الاستثمارية، هو حاجة شركات التأمين لسيولة مالية دائمة تمكّنها من متابعة عملها، ولذلك تتوجّه إلى الاستثمار في المصارف فقط، كما بيّن في معرض إجابته عن ضعف التسويق والترويج للمنتجات التأمينية أنها منتجات غير مربحة حالياً، لذلك لا يتم تسويقها، لكنها موجودة في حال الطلب، موضحاً أن المؤسسة العامة للتأمين قد طورت أعمالها لتلبية حاجة المجتمع خلال الأزمة، وأعلن الزهراء عن باكورة أعمال المؤسسة العامة وهو “التأمين المتناهي الصغر” الذي وصفه بأهم المنتجات المربحة لكن بعد انتهاء الأزمة، لحاجته إلى علاقات متشابكة بشكل واضح مع شركات الاتصال والبنوك.
وفي تعقيبه على إشكالية تهريب شركات التأمين لأموالها خارج البلاد قلل الزهراء من صدقية مثل هذه الطروحات مبيناً أن أية عملية تحويل للأموال تتطلب موافقة هيئة الإشراف والبنك المركزي أصولاً، وهي تتضمن حالات محدّدة كإعادة التأمين أو للندوات والمؤتمرات أو لتوزيع الأرباح، وحسب الزهراء “الأرباح لم توزع منذ عام 2013″، لافتاً إلى أن الأرقام المتداولة إن كانت مثبتة فقد تكون مدّخرات شخصية، فأي تحويل فردي يتوجب المساءلة القانونية.

سيريا ديلي نيوز


التعليقات