في حضن الشيطان - الجزء 31 ... بقلم: أ.يعقوب مراد




لاتدع لحظة تعب ,خوف ,تردد,.تجعلك تفقد هدفك الأسمى وغايتك تجاه معرفة حقيقة عليا عذراء لايعيبها شائبة.أكمل طريقك .ثمرة النجاح ستبدد لك كل أهوال رحلتك.....أنت فقط من سيقرر كما حكمت عقلك ومبادئك في رفض الخنوع والضعف الأن دورك لتثيت قدرتك على التحمل والمتابعة ....وكل هذا سيصنعه رجل واحد فقط بصماته واضحة من عقد من الزمن تكلل بالنجاح والابداع.......

كل هذا وأكثر تتابعونه من خلال متابعة الجزء 31 من السلسلة الرائعة / في حضن الشيطان للكاتب القدير يعقوب مراد وحصريا على سيريا ديلي نيوز. / الناشر .......................

 

 

في حضن الشيطان 31 

                           

وبنبرة صوتٍ عالية جداً؛ وكأنّه يقدم مطرباً مشهوراً قال: اسمح لي أيضاً أن أقدم لك رئيس ومؤسس منظمة الهاربون بلا حدود...من خلال حزمة الأضواء القوية كنت أحاول أن أتبيّن وجه الرّجُل القادم من خلف القاعة الكبيرة؛ وهو يتقدم بخطواتٍ متزنةٍ وسطَ عاصفةٍ من التصفيق المدويّة.. وماكاد يصل خشبة المسرح حتى رأيته يقترب منّي وهو يبتسمُ ابتسامةَ الفرح ..ابتسامةَ النصر.. الابتسامةَ التي أحببتها دائماً.. ابتسامة الحياة والموت.. ابتسامة جان بول.. وصُعقْت !! كنتُ أتأمّلُ هذا الرّجُل وثمّة فيلم من الذكريات والمواقف تتلاحق في ذاكرتي منذ اللقاء الأول وحتى الآن؛ مروراً بالمواقف الصعبة والنادرة التي عشناها سويّةً، والمواقف المُشرّفة التي رسمت حياةً جديدةً لم تكن متوقعة جعلت العلاقة متميزة بشكلٍ نادر..

احتواني بين ذراعية؛ وكان عناقاً دافئاً جداً؛ بَكَيْنا سويّةً.. ثمّ شدّ على كتفي وأمسك المكرفون وحين قال: مساالخير.. أدركتُ لأول مرة أنّ الوقت مساءً.. وتابع كلامه: حقيقةً.. لاأدري ماذا أقول !؟ هل يجب أن أشرح كل شيء؟ أم أكتفي بالترحيب بكم وبضيفنا الغالي!؟ ـ هل يجب أن أُعرّفكم به !؟ أم أعرّفهُ بكم!؟ حقيقةً لاأعرفُ.. ولكني متأكد أنّه بذكائه عرفَ من أنتم، ومُتابَعتكُم للتحقيق معه صوت وصورة أصبح لديكم صورة وافية وكافيه أيّ نوع من الرجال هذا..

هذا الرجل.. / وأشار بيده نحوي / أنقذَ حياتي من وحشٍ لاهمّ له إلّا المال وحياة البورصة والأسهُم والفوائد وصفقات الموت إلى الإنسان.. وهذا يكفي أن أحترمه مدى الحياة.. هذا الرجل كان عرّاب إليزابيت وتوماس وايريك وساندرا ومادلين وغيرهم الكثير وبعضهم معنا هذه الليلة وأنا.. كلنا ندين لهذا الرجل بإنسانيتنا؛ لأنّه كان بالنسبة لنا منقذاً من حياةٍ لامعنى لها؛ حياة كانت تقضي مضجعنا كل ليلة؛ وكان مُلهماً لنا بفكرة إنشاء منظمة الهاربون لنعمل في الظل من أجل خير الإنسان والإنسانية ضدّ كل من يسعى إلى تحطيم قيَمها؛ ويسعى للسيطرة على العالم بأساليبٍ شيطانيةٍ ..

هذا الرّجُل رغم إيماني بنزاهته منذ أن أعاد المال للبنك من تلقاء نفسه؛ زرع في قلبي محبة وثقة وصداقة رائعة؛ ورغم التقارير الإيجابية للبروفسور توماس وفريدريك وإليزابيت؛ إلّا أنّ مجلس إدارة منظمة الهاربون أصرّت على إخضاعه لامتحان قاس جداً من أجل كشف معدنه الحقيقي؛ فأثبت للجميع صدقَ التقارير التي كُتبَتْ عنه؛ وأنّه رجل وطني بامتياز .. أريد أن أقدم له بإسمي وإسمكم جميعاً إعتذاراً علنياً على الإمتحان الصعب؛ وأدعوه لإلقاء كلمة..

وأعطاني المايكرفون ووقف بجانبي..

حالة الإرتباك والغضب التي انتابتني في باديء الأمر تلاشَتْ مع شفافية كلمات جان بول؛ وتصفيق الحضور وترحيبهم جعلني أفكر وأتساءل: ماذا يمكنني أن أقول !؟

أمسكتُ المايكرفون وأنا أتأمّلُ وجوهَ الحاضرين في محاولة بحث عن وجوه قد أعرفها تعطيني بعض القوة والثقة بالنفس وفعلاً وجدتُ إليزابيت تجلس مابين فريدريك وتوماس ووجدت فيفي تجلس بكامل أناقتها مع ألكسندر ووجدت زوجة جان بول وبناته اللواتي لوّحن لي بأيديهنّ.. ابتسمت من غياهب التعب والقهر ينبلجُ نوراً تستفزّه إنسانيتي التي تملّكت الروح والجسد؛ واندثرت في عمق قلبي لتضخّ في شراييني قوةً تعمدّت بالرحمة وإرادةً تضمّخت بالصبر.. في أقسى المواقف وأصعبها تتردّد في وجداني ألحاناً متناغمة تُبعثرُ في حنايا ذاكرتي كل ما قهرني وما أفرحني ومادفعني إلى حب الحياة بكل متناقضاتها..

الكلّ يفكر في تغيير العالم.. لكن لا أحد يفكر في تغيير نفسه... هكذا قال الروائي الروسي ليو تولستوي..

وبمنظوري أنه حين يتواجد من يرغبون في تغيير أنفسهم ليتغير العالم من خلالهم نعلم أنّ الإنسانية مازالت باقية في نفوس هؤلاء وبذور الخير في قلوبهم بانتظار غيثٍ يُنعش رشيمها المُتشوّق للعطاء..

حين تعلم أنك كنت قطرات الغيث المُنْتَظر.. حين تعلم أنك كنت المستفز لإنسانية أحدهم.. تهون عليك كل المَشقات وتنفض عنك غبار التعب وأنت تسمع صوت الضمير يصدح في وجدانك: عليك أن تستمر..وتستمر وابتسمت من جديد وقلت : أريد أن أرى الشمس ..وصَمَتُّ قليلاً.. وتابعت: نعم أريد أن أرى الشمس.. الشمس هي رمز لكل شيء حقيقي؛ وأنا جئت هنا لأسمع وأرى وألمس الحقيقة.. أنا من وطن الشمس سوريا مهد الحضارات الإنسانية التي تتعرض اليوم لأقسى وأوسخ حروب الإبادة من أجل حجب شمس تاريخها وحاضرها ومستقبلها لتبقى في خضم الظلام.. ظلام التكفير والتخلف والجهل والموت..

أنا من وطن لمن ليس له وطن.. أنا وأنت وأنتم جميعاً تنحدر أصولنا من سورية.. فإذا كنا كلنا من سورية فلماذا بأيدينا ندمر تاريخنا وحضارتنا وإنسانيتنا !؟.. من أجل ماذا!؟..

كل مافهمته هو من أجل السيطرة ونشر الفوضى الخلاقة وتقسيمها من أجل إخضاعها بالقوة.. هل يستحق هذا كل هذا الخراب؟؟ هل يستحق تدمير الإنسان والإنسانية لأجل أن تتم السيطرة ؟؟ وماذا تفيد السيطرة حين يتم تدمير القيم الإنسانية والأخلاقية !؟ حين أتحدث عن سورية بلدي وموطني؛ فأنا أتحدث عن الإنسان في كل مكان وزمان.. فما يصيب سوريا والإنسان السوري سيصيب العالم أجمع... أنا لن أنتمي لكم؛ ولن أكون واحد منكم؛ ولن أنضم لتنظيمكم حتى لو كان لكم نفس رسالتي لسبب واحد يعرفه كلّ من يعرفني جيداً: أنا لا ولن أنتمي إلا لسورية الأبيّة؛ سورية العزّة والكرامة؛ سورية التي غادرتها منذ أكثر من ربع قرن ولكنها لم تغادرني ربع يوم.. كنت أسكن فيها؛ وفي غربتي اكتشفت بأنها تسكن في قلبي وروحي؛ ولم تغادرني كما غادرتها هل تعرفون لماذا!؟ لأنها ربتني مجاناً وعلمتني مجاناً وأعطتني شهادتي مجاناً وقدّمتني للعالم إنساناً.. هذه هي سوريانا.

والآن أريد أن أرى الشمس.. وتركت المايكرفون وسطَ عاصفة من التصفيق وهمَمْتُ بمغادرة القاعة حين استوقفني جان بول قائلاً: لن تستطيع رؤية الشمس في الليل دعنا نؤجل هذا للصباح..

قلت له: لايهُمْ.. سأكتفي برؤية قمر السماء، أشعر بالإختناق وبحاجةٍ للكثير من الهواء..

رافقني جان بول قائلاً: تعال ياصديقي.. وصعدنا أنا وهو مصعداً كهربائياً؛ ثم صعدنا درجاً حديدياً؛ ووجدت نفسي على سطح باخرة..

وحين رأى علامات الاستغراب على وجهي قال: نعم نحن في البحر.. وصُعقت.. وقفت فاتحاً ذراعييّ لنسمات الهواء أتأمل عناق القمر لسطح البحر في مشهدٍ رائعٍ وشاعريٍّ ذكرني بالحُب الذي يقهرني كل مرّة فأكتب بعد كل قصة حب فاشلة: كل جرح في قلبي صنعته امرأة، وكل تنهيدة في صدري سببها امرأة تمددت على خارطة جسدي وأمتلكته وطناً وجيوشاً عربدَتْ فيها كما تشتهي ثم انسحبت مُخَلّفةً وراءها جسداً مُمزقاً مطعوناً أشلاءً؛ وعيوناً تفترسُ الدّمَ الموبوءَ ناراً بقلبي؛ وحيرةً وعلامةَ استفهام؛ وكان القمرُ خير الشاهدين... ورميتُ بجسدي على أقرب كرسي وجلست أتحسّسُ الأرضَ كما فعلت أول مرة في تلك الغرفة الصغيرة ووجدتها خشبية والحيطان معدنية..

كنت أفعل ذلك وأنا أُردّد بتعجُب: سفينة !!

جلس بقربي قائلاً: نعم سفينة.. منذ أن عملت بالبنك الدولي؛ ورأيت مارأيت من أهوال كنت أخجل من نفسي كلما كنت أتذكر كلامك؛ حتى قررت الإختفاء والإيحاء للجميع بأنني شخص ميت.. وأسّستُ منظمة الهاربون وأنا أعيش غريب الإسم والهوية والعنوان..

سألته: كيف التقيت بكل هؤلاء وأنت مختفي وميت و... قاطعني قائلاً : من خلال الشخصيات التي كنت أعرفها؛ وهم كانوا يعرفون المُقرّبون من الحلقة الضيّقة حتى أصبحنا منظمة الهاربون..

وكدت أسأله عن المزيد حين وصل توماس وإليزابيت التي اقتربت مني تساعدني على الوقوف، ودعاني البروفسور توماس لأن ثمّة ضيوف يريدون رؤيتي والتعَرُّفَ بي عن قُرْب.. فهمستُ في أذنه قائلاً باللغة السويدية: توماس أريدُ الخروج من هنا .. أريد العودة لبيتي وعائلتي..

فابتسم بلطفٍ وهو يصافحُ أحد الضيوف وقال: ـ تَذكّرْ أنك جئت من أجل الحقيقة؛ وخُضْتَ كل هذه المشقة والإمتحان من أجل الوصول للحقيقة؛ وهاأنت تقفُ أمام بابها، وليست أيّ حقيقة.. بل الحقيقة السورية.. هل تطرقه وتدخل أم تعود من حيث جئت وتنسى كل شيء !؟   

 

                  

تنويه: في حضن الشيطان ./ بحث وتحقيق وأحداث حقيقية تمت كتابتها في صيف 2013

 

ـــــــــــ . يعقوب مراد . ــــــــــــ

 

يمكنكم قراءة سلسلة "في حضن الشيطان" من البداية على الرابط التالي: يعقوبيات مغترب

سيريا ديلي نيوز


التعليقات


رحاب شبيب
الجزء اليوم يستحق أكثر من تعليق؛ يستحق شرح يطول ينصف كاتبنا المتميز يعقوب مراد ككاتب سوري وكإنسان؛ في كل جزء تتكشف شخصية الكاتب بما عاناه من تعب ومشقة وإرادة للوصول إلى الحقيقة التي لاتنفصل عن وجدانه؛ الحقيقة التي تتجلى بالشمس التي أراد رؤيتها بعد مشقة وعناء، الشمس التي قرنها ببلده سورية الشمس... أول ما تبادر إلى ذهنه النور المقترن بنور الحق والحقيقة؛ لتكون عبارته مدوّية تبهر كل من سمعها لقوة وعمق مغزاها لتظهر القوة والإرادة المُعمّدة بالرحمة والمحبة والوفاء للوطن، والأهم صرخة الضمير التي أيقظها جان بول بداخله حين أعلن تأثرهم جميعاً بأخلاق هذا الرجل وصدقه ليكون الغيث المنتظر لبذرة خير بقلوبهم... والمستفز لإنسانيتهم التائهة في ظلمات الجاحدين، لتتأكد حقيقة إنسان كافح وناضل بالقول والفعل في سبيل الإنسانية... / أريد أن أرى الشمس/ بضعة حروف لا تشرحها كلمات ولا جُمل؛ بل يشرحها فيض من الإحساس ووابل من صرخات كل ضمير حي.. لك كل التقدير والمحبة أيها السوري يعقوب مراد ولنا نحن السوريون أن نفخر بك يا ابن بلدنا الشامخ والعزيز.

يعقوب مراد
السيدة رحاب : بشغف وإحساس طيب قرات مداخلتك الأدبية القيمة ، وأقول مداخلة لانها ليست مجرد تعليق عادي وإنما حقيقة أكيدة استطعت إصابة نبض الحي لاحاسيس صادقة كنت اشعر بها ، اعيشها ، لدرجة اعتقدت بانك كنت واحدة من الحضور الذين سمعوا وشاهدوا كل شي حتى استطعت ان تكتبي مداخلتك بهذه الثقة والمصداقية ..شكرًا لك