في حضن الشيطان - الجزء27 ... بقلم: أ.يعقوب مراد




 

لتحصد ماتزرعه هذا هو قدرك المحتوم الذي لامفر منه , تفاهة المشهد ليست في تناول الكلمات ولكن في التعاطي مع الحدث , والأحداث التي نضعها اليوم بين يديكم ترسم ملامح القدر في مخيلتكم وفق أعمالكم ورغباتكم .. وذات يوم سينصفكم القدر أو يلعنكم على مافعلتم ..

كل هذا وأكثر ستجدونه في أحداث جزء قد لايتكرر أبداً من سلسلة في حضن الشيطان مع كاتبنا القدير يعقوب مراد وحصرياً على سيريا ديلي نيوز ./ الناشر

 

 

في حضن الشيطان ـ 27

استمرت علاقتي بمسيو جان بول , وتعاونت مع البنك في عدة صفقات تجارية ناجحة وتعمقت علاقتنا العائلية في الاعياد والمناسبات وأصبحنا أصدقاء مقربين جداً حتى كان ذلك الحادث المشؤوم الذي لن أنساه أبداً .

نظرت في وجوه المحققين الثلاثة :

ـ ان ذلك مؤلم جداً ..

قلت ذلك , وأنا أمسح الدمعة التي انهمرت من عيني

سألتني فيفي :

ـ ماذا حدث بعد ذلك :!؟

سألتها : هل يجب أن أكمل :!؟

قالت : نعم ..

قلت : هذا مؤلم جداً ..  مجرد التفكير بما حدث يمؤلمني ويعذبني  ..

قالت : أتمنى أن تروي ماحدث بصدق , وأعدك أن ترى الشمس غداً ..

ماان ذكرت الشمس حتى ارتسمت على وجهي ابتسامة أمل , وفي مخيلتي جاء صوت فيروز وفنجان قهوة .. نعم قهوة .. وطلبت فنجان قهوة ..

العاصمة الاستونية ـ تالين 27 سبتمبر 1994 

كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة بعد الظهر حين خرجت بسيارتي من مرآب فندق ماريتون غراند الى فندق أوليميسته المطل على بحيرة أوليميسته الشهيرة حين كان ينتظرني أصدقائي الثلاثة بامتعتهم , وانطلقنا الى منتزة تومبيا وطلبت من اصدقائي الصعود الى قلعة تومبيا الشهيرة ووقفنا في أعلى نقطة نتأمل جمال المشهد وأخرجت اربعة علب بيرة وقلت :

لايقف على القمة الا النسر القوي , وهانحن اليوم نشعر بأننا أقوياء لاننا أنجزنا أهم صفقة أخشاب في تالين .. لنشرب نخب هذا النجاح ..

وصلنا الميناء حوالي الساعة الخامسة مساء , فصعدنا إلى الباخرة التي ستنطلق الساعة السابعة مساء الى العاصمة السويدية استوكهولم .. وبينما كنت أرتب أمتعتي في غرفتي رنا الموبايل وكانت زوجة جان بول تبكي وتخبرني بأن زوجها تعرض لازمة قلبية ونقل الى المشفى في حالة خطرة جداً ..

أسرعت الى أصدقائي وقلت لهم : سأغادر الباخرة الى المطار مباشرة الى جنيف لان جان بول تعرض لازمة قلبية ويجب أن أكون معه لذلك ستبقي سيارتي والاوراق والعقود معكم وسآخذ قيمة القرض المستحق معي للبنك في جنيف واسدده مباشرة وارباح الصفقة تبقى معكم .. وستصلون استوكهولم الساعة التاسعة والنصف صباحا تذهبون مباشرة للبنك وتضعون المال في حساب الشركة .. ونزلت من الباخرة قبل الاقلاع بساعة تقريباً ..وأستقليت تاكسي لمطار تالين فوجدت رحلة الى جنيف التي وصلتها بعد منتصف الليل بقليل ..

جنيف  28 سبتمبر ....

وصلت المشفى فوجدت زوجته متعبةً بقرب سريره.. استغربَتْ قدومي بسرعة؛ فطلبْتُ منها أن تُخبرني مالّذي حدث!!

 خرجنا إلى كافيتريا المشفى؛ وأخبرتني بما حدث وأنّ الأطباء مُطمئنين الآن لوضعه الصحي وسيبقى تحت المُراقبة بانتظار ماسيُقرّره الطبيب في جولته الصباحية.. وشكرتني وشدّت على يدي ....

فابتسمت لها قائلاً : لاتشكريني أبداً .. أنت تعرفين أن جان بول صديقي .. واستأذنتها بالذهاب إلى الفندق لانام قليلاً على أن أكون بالمشفى صباحاً .

فندق غراند كمبينسكي ـ جنيف 

استيقظت صباحاً على اتصال من صديقي هاني يطلب مني النزول فوراً إلى صالة الفندق .. أغلقت سماعة الهاتف ونظرت في ساعة يدي فوجدتها السادسة صباحاً .. لبست ثيابي على عجل ونزلت كالمجنون وثمة خوف انتابني حول صحة جان بول .. ولكني وجدته يستقبلني وهو يشير الى شاشة التلفاز :

ـ أنظر .. كارثة حقيقية حدثت بالسويد ..

تأملت المشهد .. وصعقت اكاد لاأصدق ماأرى ..!؟ 

واستنجدت بهاني ان يشرح لي .. فقال :

ـ نشرة الأخبار الصباحية تقول أن الباخرة استونيا التي أقلعت من تالين الساعة السابعة من مساء أمس باتجاه استوكهولم  قد غرقت في بحرالبلطيق الساعة الثانية عشر وخمسة وخمسين دقيقة وأن البحث مازال جاري عن أحياء ..

وشعرت بدوار .. وصرخت وبكيت وطلبت من هاني أن يوصلني مباشرة للمشفى فالتقيت زوجة جان بول التي كانت بقاعة الكافيتريا تشاهد المأساة ..فهرعت إلي باكية وهي تستوضح بيدها كالخرساء ... فأجبتها برأسي بالإيجاب ..

ـ  نعم هذه هي الباخرة التي كنت سأستقلها .. نعم هذه الباخرة فيها أصدقائي وسيارتي ومالي ولا أعرف عنهم شيئاً .. نعم نعم وأجهشت بالبكاء بين يدي هاني ويديها ... وتذكرت زوجتي .. فاخذت تلفون هاني واتصلت بزوجتي بالسويد وكان الخط مشغول .. فطلبت عدم إخبار جان بول بأي شيء حالياً .. ووضعت المال بين يدي زوجته على ان تسدده للبنك نيابة عني ..

ودخلت القي التحية على جان بول ومازحته واعتذرت منه لاني مضطر للسفر .. وخرجت وأنا أكبح حزني وغضبي وألمي وخوفي ..

استوقفتني زوجته أمام مصعد المشفى لتقول لي :

ـ هل تذكر ماقلته لي في أول لقاء ..!؟

قلت لي : ياسيدتي تذكري دائماً أن الانسان يحصد مما يزرع , وأنا أريد دائماً أن أزرع جيداً.

ثم تابعت وهي تشد على يدي .. وهاأنت تحصد اليوم مازرعته فعلاً ..هاأنت قد نجوت لانك زرعت جيداً ياصديقي .. فلولا عودتك العام الماضي بالمال .. لما كانت صداقتك مع جان بول .. ولما كان اتصالي بك ليلة امس ., ولما كان قدومك الينا بهذه السرعة ,ولما كان نجاتك لتعود لعائلتك بخير وسلامة .. بلغهم تحياتينا ..

حضنتها وقبلتها من جبينها , وغادرت للمطار وبينما كنت أحاول الاتصال بزوجتي كان هاني يردد بالسيارة : ألم أقل لك أحبك أيها السوري ..

اتصلت بزوجتي التي فوجئت بالاتصال وانهارت تبكي وتشكر الله لاعتقادها بأني على متن الباخرة.. وإنها من ساعات الفجر تحاول الاتصال لتعرف أيّ شي عن الناجيين، وسألتني عن أصدقائي الثلاثة.. لم أعرف ماذا أُجيب، فبكيْتُ وبكَتْ وكانت الدموع هي البحر الذي غرقنا فيه ....

استوكهولم  28 سبتمبر الساعة الواحدة ظهراُ

وصلت مباشرة من المطار الى الميناء .. لأجد طوقاً أمنياً كبيراً , والآلاف من السويدين جاؤوا ليطمئنوا على اقاربهم أو أصدقائهم .. وعشرات الجثث في أكياس النايلون وطائرات الهلكوبتر تحلق فوق البحر .. في مشهد لن تنساه السويد أبداً ..

تقدمت من البوليس أسأل عن أسماء الناجين فقيل لي مازال الوقت مبكراً لمعرفة ذلك ..

 وبعد ثلاثة ايام أدركت بأن 803 قد غرقوا مع السفينة ونجا فقط 186 ولم يك بينهم اي من أصدقائي .. فحزنت جداً وعدت الى منزلي ..

كان أصعب موقف مرً في حياتي حين هرعت إبنة صديقي تسألني : أين أبي !؟

 ثم تضربني بيديها وهي تصرخ باكية  : أنا لاأحبك.. أين تركت أبي !؟

مضى وقت , وجاء جان بول وزوجته ليقدما التعازي لعائلات أصدقائي , وذهبنا بالباخرة إلى المكان الذي غرقت فيه الباخرة أستونيا ونثرنا الورد ..

وأصبح هذا اليوم المشؤوم ذكرى الذين غرقوا والذي وصل عددهم إلى 852 شخصاً , ومازال أهالي الضحايا يجتمعون في مثل هذا اليوم على الشاطئ يشعلون الشموع وينثرون الورود ..

وبعدها بأربع سنوات استقال جان بول من إدارة البنك , ليعمل في البنك الدولي في بروكسل , وكانت طبيعة عمله تتطلب السفر كثيراً إلى بلاد كثيرة ..

وقد كان آخر لقاء لنا صيف 2009/.. بعدها بعدة أشهر فُقد الإتصال به في أفريقيا؛ وقيل أنّ قبيلة إفريقية قتلته، لكنّ زوجته كانت تُصرّ دائما بأنّه مفقود وسيعود يوماً..

لهذا كانت تسافر كثيراً بحثاً عنه، ولكن مع مرور الوقت بدأت تقتنع بأنه ليس على قيد الحياة، وأنا خسرتُ صديقاً رائعاً سأظلّ أذكره دائماً بكلّ الحب . .

وللحديث تتمة

 

تنويه : في حضن الشيطان ./ بحث وتحقيق وأحداث حقيقية تم كتابتها في صيف 2013

 

ـــــــــــ . يعقوب مراد . ـــــــــــــ

 

سيريا ديلي نيوز


التعليقات