في حضن الشيطان – الجزء 24 ... بقلم: أ. يعقوب مراد




 

 

حين تجد نفسك محاصراً , مهدداً بالاختناق والالغاء وأنت محجوزاً في مكان لاتعرفه , ولاتعرف من يحاصرك ..ولا تعرف ان كنت ستخرج سالماً أم لا ,, ماذا يمكن أن تفعل !؟

حين تجد الموت يقترب منك لايبقى أمامك إلا الدعاء للرب وأنت تتذكر الاحبة وكأنك تراهم كشريط سينمائي بكل مامر من حسنات وسيئات وتتمنى لو قدر لك النجاة لتكون انساناً أكثر انسانية , وأكثر وطنية ولكن مايعزي النفس أن الهدف أسمى والغاية الوطنية تبرر كل مشقة ولكن ماذا بعد  ..!؟

كل هذا وأكثر تتابعونه بالجزء  24 من سلسلة  في حضن الشيطان لكاتبنا القدير يعقوب مراد وحصرياً على سيريا ديلي نيوز . / الناشر

 

 

في حضن الشيطان ـ 24

 

نظرت فيفي في وجهي , ثم هزت القلم بيدها وقالت :

ـ هناك سؤال لابد منه ..

فقاطعتها قائلاً : قبل أن تسألي , أريد أن أعرف متى سننتهي ..!؟

أشارت لمكرفون في اذنها وقالت : ليس لدي أجوبة بل أسئلة ..

قلت بضجر : تعبت وبحاجة لقليل من الراحة والطعام والشراب...

 فهل هذا ممكن ..!؟

ابتسمت بخبث وقالت وهي تهم بالمغادرة مع أصدقائها :

ـ طبعاً ممكن ..ستحصل على كل ماتريد , وسندعك ترتاح قليلاً , وسنعود لنكمل . قلت لها : وأنا بالانتظار., ولا تنسي مشروبي المفضل الاوزو اليوناني  .

غادروا , وجلست أستعيد في رأسي كل التحقيق والاسئلة والاجوبة .. وأفكر بكلام فيفي الأخير :

ـ ترى ماهو السؤال الذي لابد منه ..!؟

ثمة أفكار بدأت تراودني لأول مرة ., وتلح علي إلحاحاً , وكأنها تخاطب القلب والعقل .. ثم ماتلبث أن تتحول الى علامات استفهام كبيرة ., وأنا هنا .. هنا لاأعرف مكاني , ولكني أعرف أن مايخطر ببالي الأن يصارع القلب والعقل , ونظراتي تجول في هذه الغرفة الضيقة فلا أتمنى شيئاً سوى أن يكتب لي النجاة لأرى شريكة حياتي وأولادي ...

وتتدفق الأسئلة في رأسي  :

ـ  ترى هل أعطيت شريكة حياتي ماتستحقه من اهتمام , وهي التي قاسمتني الحياة بمرها وفرحها ..!؟

ـ ترى هل أعطيت أولادي الذين جئت بهم لهذه الدنيا مايستحقونه من رعاية وحب واهتمام ..!؟

ـ ترى هل كنت ابناً باراً مع أمي وأبي ..!؟ وهل كنت أخاً كريماً وطيباً وحنوناً مع أخوتي ..!؟ أو كنت صديقاً وفياً مع أصدقائي .!؟

ـ ترى ألم يك من الممكن أن أكون أفضل مما كنت !؟ وأن أستمتع معهم أكثر ..!؟

ـ لماذا هذه الأسئلة وحدها , هي التي تأتي من القلب لتعذبني وأنا في هذا الظرف السيئ حيث لاأعرف مصيري ..!؟

ـ لماذا أشعر بلهفة محبة طاغية لأحبتي , وحاجتي لأن أراهم وأغمرهم بشوق وأعوضهم أكثر وأكثر ..

ـ لماذا لم أفكر بكل هذا من قبل ., لماذا تهجم علي الان , وتحاصرني دفعة واحدة ..!؟

ـ لماذا أعرف الأن فقط محبتهم , ومقدار أهميتي ووجودي بالنسبة لهم .!؟

 أم انها كانت كذلك , وأنا الذي لم يك لدي الوقت لأرى ماأراه الأن ..!؟

ـ لماذا أفكر الأن بهم , وأشتاقهم .!؟

وأنا الذي قضيت حياتي أفكر وأسعى لأشياء آخرى لاتخطر ببالي الآن ..

ـ لماذا لاأهتم الآن بالشهادات وجوائز التكريم التي حصلت عليها في حياتي والتي فرحت بها كثيراً ..!؟

ـ لماذا لاأهتم الان بحجم الثروة التي قضيت عمري أعمل ليل نهار من أجل أن أجمع أكبر قدر ممكن منها ..!؟  وماذا تفيدني الآن ..!؟ لاشيء ....

ـ لماذا لا أفكر الآن بمخاصمة فلان أو معاداة فلان من الناس ..!؟

ـ لماذا لا أفكر الآن إلا أن أكون إنساناً ..!؟

ـ لماذا لا أفكر إلا بالاوقات الحلوة التي كان يمكن أن أعيشها مع أحبتي , ولم أفعل كما يجب ..!؟

ـ هل هو الندم ..!؟ أم الخوف من أن لاأراهم ثانية ..!؟

وتساءلت : ترى هل فات الأوان لأبدأ من جديد بحب الذين نحبهم , ونجعلهم يشعرون بما نشعر من حب اتجاههم ..!؟

أغمضت عيني , وخاطبت الله : كنت دائماً معي , ولم تتخل عني في أحلك الظروف , وأعرف انك تحبني أكثر مما أحبك ., ولكن أعدك أن يكون لحياتي قيمة ومعنى أكثر ان قدر لي الخروج من هذا المأزق , والعودة الى عائلتي ..

وشعرت بشئ من الانانية والخبث , وأنا أقايض كالسمسار ., فبكيت من دون دموع ..

عدت أخاطب الخالق : اعذرني .. ولكنك تعرفني جيداً , وتعرف انني لست انساناً سيئاً , وتعرف حقيقة مافي قلبي .. وأعرف بأنك ستمنحني متسع من الوقت ان لم يك من أجلي , فمن أجل من يحبك أكثر مني , ويستحق أن أكون معه ., لأن الحياة كريمة لذوي النذاهة والوداعة والعقل , ولذوي التفاؤل والتريث والامل .. وهاأنذا ياربي أوجه دعوة محبة صادقة للتسامح مع كل الذين تاهوا عن طريق الحق ., ظلموني أو ظلمتهم ., ان يعيدوا حساباتهم كما فعلت أنا  الان  .,

 ويعلموا بأننا في هذه الحياة الفانية مجرد ضيوف كتب علينا المحبة والتسامح .. لنتصالح مع أنفسنا أولاً , ثم نتوجه لأحبتنا وأهلنا وجيراننا بكل مانشعر به تجاههم , ونحاول ونحاول أن يصلهم احساسنا ويشعرون بأنهم مهمين جداً في حياتنا ., وأننا نحبهم فعلا ليستمتعوا بوجودنا ., ونستمتع بوجودهم في علاقة حميمية انسانية صادقة لانها الوحيدة التي ستبقى في ذاكرتنا ... تماماً كما هي حالتي الان ..

ولكن لماذا لانقترب من الله إلا اذا اقترب الخطر وشعرنا بالخوف .., ولماذا نبتعد عن الله وننساه ., كلما ابتعد الخطر واالخوف عنا !؟

وتذكرت الايقونة التي قدمتها لي رئيسة دير صيدنايا كاترين ابي حيدر منذ ثلاثين عاماً وبقيت معي سنوات طويلة , وبقدر ما حزنت لاني اضعتها بقدر مافرحت حين أعادتها لي صديقة عزيزة من قلب صيدنايا المقدسة  .

أغمضت عيني , وبدأت أصلي مافي تلك الايقونة :

ياوالدة الإله ياأم النور ياسيدة صيدنايا

صوني عبيدك الحاملين أيقونك هذه المقدسة

من كل شدة ومن كل خطر ومن كل ضيق

وسهلي بيمينك أمورهم .. آمين .

تناولت القليل من الطعام , وشربت كاس من الاوزو اليوناني الابيض , وكم تمنيت أن يكون بدلاً عنه كاسة من العرق المحرداوي المثلث الابيض مع صحن شنكليش وزيتون اخضر واسود ومكدوس ..

وتذكرت  صديقي المحرداوي الاصيل ايمن يعقوب الذي اتصل مرحبا  بي باليونان , وندمت لأني أعتذرت عن تلبية دعوته لشرب كاس عرق محرداوي بصحبة الدكتور كمال الجاجوم  في جزيرة كريت وفضلت الذهاب لمعرفة الحقيقة التي قذفتني في ورطة لاأعرف ان كنت سأخرج منها سألماً ..

ياإلهي ..

 لماذا كلما حاولت الاستنجاد بانسانيتي , لاأجد إلا ذكرياتي في سوريا ..!؟ .

والآن ..وبعد أن سلمت أمري لله ..

ـ ترى ماالذي ينتظرني  ؟

وللحديث تتمة

 

تنويه : في حضن الشيطان ./ بحث وتحقيق وأحداث حقيقية تم كتابتها في صيف 2013

 

                                                  ـــــــــــ . يعقوب مراد . ـــــــــــــ                 

 

 

 

 يمكنكم قراءة سلسلة "في حضن الشيطان" من البداية على الرابط التالي:    يعقوبيات مغترب

 

 

سيريا ديلي نيوز


التعليقات