تلك هي مصر مبارك التي لا يريدون أن يتغير فيها شيء ما عدا قناع الوجه: عداء مسبق لسورية، واصطفاف مع ملكيات ومشيخات النفط، والارتماء في أحضان الغرب.. هكذا غادر الرئيس المصري الجديد عاصمته محملاً بمبادرة قيل أنها ستدشن الدور القيادي الإقليمي لمصر، فإذا به يقطع من على منصة عدم الانحياز تذكرة الالتحاق بما يتهيأ له أنه "معسكر الرابحين".. غادر موقع الحيادية والوسط الذي يفترض أن يميز كل صاحب مبادرة، ومضى بعيداً في المزايدة بحيث سبق بأشواط طويلة كلاً من هولاند وكاميرون، وعلى نحو ترك قمة عدم الانحياز في حالة من الصدمة والذهول. فضل مرسي الإخواني أن يقدم، ولو متأخراً، شهادة حسن سلوك لـ"الأممية الوهابية" التي تمسك بشيكات النفط، وقطع نصف الطريق الى المنظومة الأردوغانية الطامحة لجعل تركيا بديلاً إقليمياً يرث وظيفة إسرائيل، وأرسل الإشارات بالانضباط الى السادة القدماء - الجدد في واشنطن الذين يحكمون قبضتهم على قروض صندوق النقد. لقد خمّن أن المراوغة السياسية يمكن أن تضمن له مكانة كلاعب أساسي في الخارج طالما أنها مكنته، في الداخل، من الاستحواذ على كامل السلطة وتصفية الخصوم بالتدريج، وظن أن بالإمكان مقايضة إيران من خلال معادلة: أعط وخذ ! فيشارك في قمة طهران، ويصطنع أجواء تطبيع، ليوهم الجميع، بالمقابل، بأنه المحاور الذي طال انتظاره والبحث عنه، في الملف السوري. ولكنه لم يخرج بشيء سوى المجازفة بنعي الدور المصري الموعود، وسوى العودة الى أحضان "طويلي العمر" التي حكمت على دور مبارك سابقاً بالشلل والموت السريري. لم يستطع مرسي أن يفارق جلده كشيخ واعظ مهمته تهييج الجموع، والتلاعب بالمشاعر، والمتاجرة أخيراً بدماء المسلمين. خطيب شعبوي وقع أسير الرؤية الضيقة والانتقامية التي لاتزال تميز كل تنظيمات الإخوان المسلمين. لم يتصرف كرجل دولة يتمتع بحس المسؤولية، وأرخى العنان لبلاغته الجوفاء كي ينتزع مصر، من خلف ميكروفون، من نسق علاقاتها التاريخية مع سورية، متجاهلاً عمق الارتباط المصيري بين بلدين وشعبين طالما جمعتهما التحديات والانتصارات في مواجهة مشاريع الهيمنة الخارجية والغزو الأجنبي. عصف مرسي بمبادىء عدم الانحياز التي قدمت للعالم قادة كباراً مثل نهرو وتيتو وسوكارنو وعبد الناصر وحافظ الأسد، وبدد آمال العودة الى روح مؤتمر باندونغ، ليسقط في المحرمات عندما جمع، في متلازمة واحدة، قضية فلسطين مع ما أسماه قضية الشعب السوري، وكأنه يحرض السوريين علناً على الإلقاء بأنفسهم في "صراع وجودي"، والانزلاق في متاهة الحرب الأهلية وآلية التدمير الذاتي، مطلقاً على هذا النحو، وعلى يد إسلامي، سلسلة التفاعلات التي ما كان حتى عتاة الصهاينة، وأشد المحافظين الجدد يمينية، ليحلمون بها، والتي ستنتهي حكماً الى تكريس واقع يفرض الاعتراف بيهودية إسرائيل. أضاف الرئيس المستجد خيبة إضافية الى خيبات "الربيع" المزعوم، لقد أراد سرقة الأضواء واختطاف دور فإذا به ينتهي الى المزيد من تقزيم مكانة مصر،.. ها هو مبشر كاذب للديمقراطية يعمّق واقع الإحباط ويملأ الأفق العربي بالشكوك. اسيريا ديلي نيوز - لبعث

التعليقات