في مؤشر هو الأول من نوعه منذ سنوات الانكماش المتواصلة، توقع البنك الدولي أن يسجل الاقتصاد السوري نموًا حقيقيًا طفيفًا بنسبة 1% خلال عام 2025، متجاوزًا الانكماش البالغ 1.5% في العام الماضي، ليحقق بذلك أول منحنى إيجابي منذ عام 2022. ورغم هذا التحسن الرقمي، شدد البنك في تقريره الصادر الثلاثاء على أن التعافي ما يزال هشًا، إذ يبقى مرهونًا بتخفيف العقوبات، وتحسن قطاع الطاقة، وعودة اللاجئين، واستعادة الانخراط الدولي، وهي عوامل لا يمكن ضمان تحققها دون استقرار سياسي وأمني طويل الأمد.

اقتصاد مثقل بندوب الحرب وتبدلات السياسة

أظهر التقرير أن الاقتصاد السوري فقد أكثر من نصف حجمه (53%) بين عامي 2010 و2022، ما دفع البلاد إلى فئة "الدول منخفضة الدخل" منذ عام 2018. كما كشفت صور الأقمار الصناعية الخاصة بـ"أضواء الليل" تراجعًا في النشاط الاقتصادي يفوق ما تعلنه البيانات الرسمية.

سنوات الحرب أنهكت قطاعات حيوية مثل السياحة والطاقة والصناعة، ودَفعت البلاد للاعتماد شبه الكامل على الاستيراد لتأمين الغذاء والمشتقات النفطية، فيما برزت تجارة "الكبتاغون" كأحد مصادر الدخل غير الشرعي.

ومع الإطاحة بنظام الأسد في ديسمبر 2024، تبدلت الخارطة السياسية والاقتصادية؛ إذ تبسط الحكومة الانتقالية سيطرتها على مناطق تضم نحو 78% من السكان و60% من النشاط الاقتصادي. لكن نقاط الضعف ما تزال قائمة، خصوصًا أن الحكومة لا تسيطر إلا على 9% من إنتاج النفط، بينما يهيمن "قسد" على الجزء الأكبر منه، إلى جانب استمرار التوترات الطائفية والغارات الإسرائيلية التي تبقي البيئة الاستثمارية محفوفة بالمخاطر.

الليرة تنتعش… لكن السيولة تخنق الأسواق

على الصعيد النقدي، استعادت الليرة السورية جزءًا من قيمتها، مسجلة ارتفاعًا بنسبة 29% بين أواخر نوفمبر 2024 وأغسطس 2025، مدفوعة بعودة المغتربين وتخفيف بعض العقوبات الدولية.

ورغم انخفاض أسعار السلع الغذائية مع تدفق واردات أرخص—خصوصًا القادمة من تركيا—إلا أن الأسواق ما تزال تعاني من أزمة سيولة حادة نتيجة قيود السحب النقدي، وتعليق نظام المدفوعات الإلكترونية، وتأخر صرف رواتب موظفي القطاع العام.

مؤشرات اقتصادية متباينة

تسير المالية العامة على خط دقيق؛ إذ يبلغ العجز المالي نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي. وبينما يقدّر البنك المركزي الدين الخارجي بـ 104% لعام 2024، تظهر الجداول الرسمية رقمًا مختلفًا عند 30.3%، مع توقعات بخفضه إلى 14.9% في 2025.

وسجل الحساب الجاري تحسنًا محدودًا، منتقلاً من عجز قدره 14% في 2023 إلى فائض طفيف بنسبة 0.4% في 2024، وسط غياب شبه كامل للاستثمارات الأجنبية المباشرة.

أبرز المؤشرات الاقتصادية لعام 2025

  • نمو الاستهلاك الخاص: 20.7%

  • نمو الصادرات: 30.6%

  • تراجع الواردات: -38%

  • انكماش الاستثمار الثابت: -31.4%

  • نمو القطاعات: الصناعة (1%)، الخدمات (1.2%)، الزراعة (مستقرة)

ضغط إنساني متصاعد

ورغم ارتفاع التمويل الدولي بنسبة 70% خلال النصف الأول من 2025 مقارنة بالعام الماضي، إلا أنه ما يزال أقل بنحو الثلث عن مستويات 2023.

كما فرضت موجات العودة العكسية لـ 780 ألف لاجئ و1.7 مليون نازح داخلي ضغوطًا كبيرة على البنية التحتية، رغم أنها أسهمت في تنشيط الطلب المحلي ورفد سوق العمل بقوى جديدة.

الواقع المعيشي في سوريا اليوم

  • عدد السكان: 24.7 مليون

  • معدل الفقر: 48.1% عند خط 4.20 دولار يوميًا

  • التضخم: تراجع من 127.8% في 2023 إلى 58.1% في 2024، مع توقع انكماش سعري بـ -12.7% في 2025

  • نسبة التوظيف: 33% فقط

رؤية مستقبلية محفوفة بالتحديات

يرى البنك الدولي أن الاقتصاد السوري يقف عند مفترق طرق حساس؛ فبوادر التعافي الحالية قد تتبدد سريعًا ما لم تُعزَّز بإرادة دولية لرفع العزلة الاقتصادية، وتأمين خطوط الطاقة والتجارة، ودعم الاستقرار السياسي. وبغياب هذا السند، ستبقى مؤشرات التحسن مجرد قفزات مؤقتة، فيما يظل المواطن السوري يواجه الفقر وضعف القدرة الشرائية.

 

 

سيريا ديلي نيوز_دمشق _شمس ملحم

 

 

سيريا ديلي نيوز


التعليقات