«عقود الباطن» تزهر: شركات عامة تحتكر المشاريع وتوزعها على متعهدين حسب قربهم ووزنهم




إعادة الإعمار، تلك الكعكة المالية والاستثمارية الكبيرة والطويلة الأمد التي من الممكن أن يتنافس عليها مئات رجال الأعمال والشركات، احتكرها القطاع العام وبدأ يوزع قطعها حسب هواه على شركات قطاع خاص، عبر ما يسمى بعقود مقاولات أو عقود من الباطن، فما هي حقيقة تلك العقود؟ ومن يتقاسمها يا ترى؟

 لعبة الفأر والقط هي لعبة الحكومة السورية مع المقاولين بحجة إعادة الأعمار، هذا ما يطلقه العديد من العاملين في مجال المقاولة، حيث نصّبت الحكومة نفسها الربان على جميع المشاريع في سورية، على أن تقوم بتوزيعها بحسب الرضا الشخصي على كل مقاول متجاوزة بذلك جميع القوانين والأنظمة النافذة في سورية، بهدف تأمين أعلى المبالغ المالية بأقل الكلف.

في البداية كان يحق للقطاع الخاص التقدم لأي مناقصة ولكن خلال الفترة الماضية صدر تعميم من رئاسة مجلس الوزراء، ينص على منح المشاريع التي تتجاوز تكلفتها 500 مليون ل.س، لشركات القطاع العام ليتم منحها للمقاول فيما بعد بربع القيمة الحقيقة.

 جميع العقود للقطاع العام…

يقول المقاول ديب عبد الرحمن ديب لـ «الأيام»: إن جميع الاستثمارات تتم عن طريق القطاع العام فقط فهي محصورة بين الإنشاءات العسكرية – الإسكان العسكري – الشركة العامة للبناء – وشركة قاسيون. ويشرح ديب كيفية إتمام تلك العملية بالقول: تتم العملية من خلال أخذ العقود من قبل هذه المؤسسات بالتراضي مع الحكومة، كنوع من أنواع العقود المسموح بها حكومياً، لتتم عملية عرضها على المقاولين عبر عقود موقعة ما بين الجهة العامة والمقاول، ضمن شروط محددة لضمان حق الجهة العامة.

ويكمل المقاول: نحن المقاولين نحقق ربحاً يصل إلى 20% من أي عقد مبرم مع القطاع العام، وذلك لأنه في حال كان العقد المبرم بقيمة مليار ليرة، فإن المؤسسة لا تمنحه لنا إلا بربع القيمة بحجة أنه يترتب عليها دفع تأمين، ورواتب الموظفين بالقطاع العام، وهذا مقابل إعفائنا من الضرائب التي تكون متراكمة علينا جراء أي عقد مبرم مع الدولة، وقد طالبت نقابة المقاولين الحكومة بفسخ العقود التي هي قيد التنفيذ باعتبار أن هناك ارتفاعاً كبيراً في أسعار المواد الأولية، مشيراً إلى أن النقابة رفعت كتاباً إلى رئاسة مجلس الوزراء بهذا الخصوص، وأنه كان من المتوقع أن تدرس وزارة المالية واقع هذه العقود وفروق أسعارها.

إهمال حكومي واضح

تكمن المشكلة في الوقت الراهن أنه يوجد إهمال واضح من الحكومة، في معالجة هذا الموضوع ولاسيما أن جميع المشاريع توقفت بشكل كامل، إضافة إلى أن جميع المقاولين انصرفوا عن التعهدات، وتحولت مطالب نقابة المقاولين في الوقت الراهن إلى إبرام عقود جديدة بالأسعار الحالية، لكي لا يتسبب بذلك أي ضرر للمقاولين والحكومة في نفس الوقت.

إن نسبة فروق الأسعار والتي يجب أن تدفعها الدولة للمقاولين لكي يستطيع أن يتابع تنفيذ المشاريع، وصلت فقط في المشاريع الطرقية إلى 350 %، في حين وصلت نسبة الفروقات في باقي المواد، والتي يجب أن تدفعها الدولة للمقاولين إلى حوالي 800 %، ذلك لأن أسعار المواد ارتفعت بشكل كبير وأن المقاول لا يستطيع أن ينفذ المشروع من ماله الخاص إذا لم تدخل الحكومة لدفع فروق الأسعار، ونتيجة لذلك الوضع فقد أصبح هناك الكثير من المقاولين من غير القادرين على تنفيذ المشاريع، ما دفعهم إلى تركها بعدما نفذ منها ما يقارب 10 %.

على الوعد يا كمون…

 وعدت الحكومة أن تدرس الآثار الناجمة عن فسخ العقود والخسارة التي من الممكن أن تتحملها الحكومة حيال ذلك، علماً أن الحكومة لا يمكن أن تخسر في حال تم فسخ العقود، وقد تذرعت الحكومة يوما ما أن خسارتها وصلت إلى 400 مليار ليرة سورية، وأن هناك الكثير من المشاريع قيد التنفيذ تكلفتها 120 مليار ليرة سورية.

وهنا يتساءل عبد الرحمن: كيف للحكومة أن تؤكد هذه الخسارة رغم أن جميع المعدات والآلات المستوردة للعمل، تكتب في العقد بمبلغ معين وتستورد بمبلغ آخر، فجميع الآلات بنصف العمر، ولا تكون مطابقة للمواصفات المكتوبة بالعقد المبرم. كما أن الحكومة طلبت منا الاستثمار في الأنقاض التي خلّفتها الحرب في سورية، والتي تصل إلى 60 مليون طناً، لافتاً إلى أهمية استثمار هذه الأنقاض في أماكن تواجدها.

ويضيف المقاول: إن عملية إعادة الإعمار في سورية تقوم على أساس تمويل نفسها بنفسها، لافتاً إلى جدوى اقتصادية تتمثل في خفض التكاليف بجلب الكسارات إلى أماكن الأنقاض بهدف إعادة تدويرها.

ولفت ديب، إلى أن المادة 63 من قانون العقود رقم 51، والتي نصت على أنه في حال ارتفاع أسعار المواد الأولية فإن المقاول يتحمل 15% من نسبة الارتفاع، مؤكداً أنه في الوقت الراهن تحمل المقاول نسبة ارتفاع الأسعار بشكل كبير، لذلك فأنه كان من الشيء الطبيعي أن يمتنع عن عدم تنفيذ المشاريع ولاسيما أن هناك نسبة كبيرة منهم، يعانون من ظروف مادية قاسية إضافة إلى أن مبلغ الكفالة والمودع لدى البنوك وصل إلى مليار ليرة سورية دفعها المقاولون.

ورغم ذلك فقد نفذ المقاولون 90% من الأعمال الإنشائية في البلاد قبل الحرب، لذلك نطالب بالعودة إلى طريقة العمل السابقة عندما كان يتم منح القطاع العام 30% من المشاريع، و70% من المشاريع تعطى للمقاولين.

احتكار المشاريع لأشخاص محددين بدعم حكومي

يقول أحد المقاولين الذي طلب عدم ذكر اسمه لـ «الأيام»: هناك عمليات احتكار من قبل رجال الأعمال لمشاريع إعادة الأعمار في العديد من المناطق، التي حررها الجيش السوري بمشاركة أشخاص مسؤولين بتوجيه من الحكومة السورية، التي منعت المستثمرين السوريين الدخول في مناقصات المشاريع. وبالوقت ذاته فقد كشف بعض رجال الأعمال السوريين أنهم «مُنعوا من المشاركة في مناقصات مشاريع البنية التحتية الخاصة بإعادة الإعمار، في المدن والبلدات وفي العديد من المناطق التابعة لريف دمشق، على حين استفرد نظراؤهم المدعومين من الحكومة بالحصة الكاملة من المشاريع، من دون مناقصات، محققين أرباحاً استثمارية فاحشة.

الحكومة تقيد العقود بحدود الدنيا والعليا

طلبت رئاسة مجلس الوزراء من كل الجهات العامة التقيد بالحدود الدنيا والعليا المسموح بها لكل فئات التصنيف المعدلة للمقاولين، عند إجراء أي عقود جديدة معهم باستثناء اختصاص حفر الآبار. وأوضحت رئاسة المجلس في تعميم لها أن قيمة العقود التي ستجريها أي جهة عامة مع الفئة الممتازة من المقاولين، يجب أن يكون حدّها الأدنى 150 مليون ليرة وحدّها الأعلى مفتوحا، ومع الفئة الأولى بين 100 مليون ليرة و750 مليونا، والثانية بين 50 مليونا و500 مليون ليرة، والثالثة بين 25 مليون ليرة سورية و250 مليون ليرة والرابعة بين 8 ملايين و80 مليون ليرة، والحد الأعلى للفئة الخامسة 30 مليون ليرة وللفئة السادسة 15 مليون ليرة سورية.

وفي سياق متصل طلبت رئاسة الحكومة، من الجهات العامة كافة، عند تنفيذ أعمال التعهدات، التقيد بالقرارات التي تمنع مزاولة مهنة المقاولات، إلا لمن كان مسجّلاً لدى أحد فروع النقابة.

ويستثنى من هذا القرار المهندسين، وشركات التعهدات الهندسية، المسجّلين لدى أحد فروع «نقابة المهندسين»، والمصنّفين بالفئة الثالثة وما دون، وفق نظام تصنيف المقاولين الصادر، عن وزير الأشغال العامة.

فسخ 10 ألاف عقد مع الدولة

من جهة ثانية كشف نقيب المقاولين في سورية محمد الرمضان، أن نسبة ما تنفذه شركات ومؤسسات القطاع العام الإنشائي من خطة عمل الحكومة، هو 22% على الرغم الدعم الذي تقدمه الحكومة من إعفاءات وزيادات والصفح عن المدد الزمنية، وأما نسبة ما تنفذه مؤسسات القطاع الخاص «المقاولين» من خطة عمل الحكومة هو 78%، ولفت الرمضان إلى أن الحكومة قامت بحل نحو 10 آلاف عقد موقع بين الدولة والمتعهدين على تنفيذ مشاريع تفتقد للعمالة وللإشراف.

مشيراً إلى خروج 10 آلاف مقاول من عمل المقاولات خلال الحرب من أصل 14 ألف مقاول، نتيجة القرارات التي اتخذتها الحكومة والتي تصب ضد عمل المقاولين. لافتاً أن نقابة المقاولين لم تسجل أي مشروع هذا العام، وأنه لا يوجد مقاولون تقدموا على مناقصات في مؤسسات الدولة، إلا في المشاريع الصغيرة كنقل القمامة وغيرها من هذه المشاريع. مؤكداً أن دخل المقاول انخفض بشكل كبير ليصل إلى 900% من دخله. ومبيناً أن هناك إهمالاً واضحاً من قبل الحكومة لنقابة المقاولين، وخاصة في ظل هذه المرحلة المهمة، ولاسيما أن الحكومة تعد خطة لإعادة الأعمار. إلا أن نقابة المقاولين بحسب قوله لم تستدعَ ولم يطلب منها أي شيء إلى الآن، متسائلاً عن سبب استبعاد النقابة عن مثل هذه الخطة.

وأكد رمضان على منح المشاريع التي تتجاوز تكلفتها 500 مليون ل.س لشركات القطاع العام، مشيراً إلى اضطرار بعض المقاولين لشراء مادة المازوت اللازمة لأعمالهم، التي يقومون بها لمصلحة جهات القطاع العام بأسعار مرتفعة، تزيد على السعر الرسمي، مع ضرورة حل الإشكالية المتعلقة بفرض ضرائب على فرق الأسعار، الذي يمنح للمقاول، وخاصة أن ما يدفع له أحياناً تجاوز الالتزامات المترتبة عليه من تأمينات وضرائب، كما أن المقاول اليوم يدفع قيمة المازوت لقاء تنفيذ المشاريع الحكومية 350 ليرة للتر، في وقت تأخذه شركات القطاع العام بقيمة 200 ليرة.

 60 % من العقود للإسكان العسكري

يقول المحامي علي الأحمد لصحيفة «الأيام» إن 90% من العقود التي نفذت عام 2016، كانت تحت ظل الإنشاءات العسكرية، والتي تأخذ أكثر من 60% من حصة المشاريع بالتراضي مع الحكومة، تليها مؤسسة الإسكان العسكري، مبينا أن العقود التي توقع ما بين القطاع العام والمتعهدين تحمي المتعهد من دفع الضرائب، إضافة لسهولة تسيير المواد الأولية من منطقة إلى أخرى وذلك تحت حماية القانون، فالدولة تعمل ما تفعله وهي رابحة بشكل دائم. ويشير الأحمد إلى أنه خلال السنوات الماضية حدث الكثير من التغيرات في عمل المقاولين مع الحكومة، وقد باتت الكثير من العقود تنفذ بطريقة استثنائية كنوع من اللعب على القانون، بهدف إفادة المتعهد والقطاع العام بالوقت ذاته.

 عرنوس يبرر الموقف…

وكان وزير الأشغال العامة والإسكان المهندس حسين عرنوس قد برر سابقاً، عبر تصريحاته الدائمة للصحفيين على أن موضوع إعادة الإعمار هو دور تنفيذي لما تخططه الحكومة، حيث يتم تنفيذ السياسات الموضوعة من قبل الحكومة عبر شركات الإنشاءات العامة، ونقابتي المهندسين والمقاولين، إضافة إلى المؤسسة العامة للإسكان، وكل من هيئة التخطيط الإقليمي، وهيئة التطوير والاستثمار العقاري. وبالنسبة للإمكانات الفنية والبشرية، فهي جيدة ومتوفرة لدينا، أما موضوع التمويل فهو مرتبط بالحكومة، وبلجنة إعادة الأعمار التي تقوم سنوياً برصد المبالغ اللازمة لكل وزارة، للقيام بإصلاح الأضرار التي لحقت بالجهات العائدة لها: (تأهيل مبان– صيانة آليات- عدد وأدوات– شراء آليات…).

قطاع الإنشاءات قطاع يعيث فيه الفساد كثيراً نتيجة كبر حجم الكتلة المالية الموجودة فيه أولاً، ونتيجة لطول استمرارية العمل مستقبلاً، فهو كعكة كبيرة يتنافس عليها رجال الأعمال والمقاولين والشركات الحكومية، وربما الشركات الخارجية أيضاً، ما تزال معايير اقتسام تلك الكعكة معايير ارتجالية ونابعة من مصالح وعلاقات شخصية أكثر من كونها نابعة من احتياجات وطنية.

سيريا ديلي نيوز- نور ملحم


التعليقات