زادت الأزمة الراهنة شهية أصحاب البطون المنتفخة لإشباع نهم جيوبهم لتحصيل أموال إضافية بغض النظر عن الوسيلة المتبعة على مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة» ليقع اختيارهم هذه المرة على تهريب الدقيق التمويني المدعوم، مستغلين الفارق الكبير بين السعر الرسمي والحر وضعف الرقابة التموينية على ضبط هذه الظاهرة الآخذة بالتنامي مؤخراً مع تباهيها بين الفنية والأخرى في الإعلان عن تنظيم بعض الضبوط بحق مهربي الدقيق، الذي تتحمل الدولة أعباء مالية كبيرة لقاء تأمينه بسبب اعتداءات المجموعات الإرهابية على مخازين الطحين وتخريب المطاحن بغية محاربة المواطن بلقمة عيشه.
 

دعم مضاعف

ظل رغيف الخبز بعيداً عن مهاترات رفع الدعم بالرغم من إنفاق المليارات من الليرات بسبب الاستمرار في هذه السياسة ولاسيما بعدما اضطرت الحكومة إلى استيراد الطحين والقمح بعد سنوات طويلة من تحقيق الاكتفاء الذاتي، ما حملها أعباء إضافية في ظل ارتفاع سعر الصرف وتكاليف النقل الكبيرة، إذ جرى التعاقد لتوريد 446 ألف طن وصل منها قرابة النصف بينما وقعت عقود لتوريد مليونين و400 طن من القمح المخصص لصناعة رغيف الخبز ورد منها مليون ونصف المليون في حين لا تزال 900 طن قيد التوريد إلا أن تداعيات الظرف الراهن على الوضع المعيشي والاقتصادي لم تمنع ضعاف النفوس من استغلال انخفاض سعر الدقيق التمويني وتهريبه للمتاجرة به في السوق السوداء من دون اكتراث بعواقب هذا التصرف، وفي هذا الصدد بيّن جورج بشارة (رئيس دائرة حماية المستهلك في مديرية التجارة الداخلية في دمشق) أن المديرية ضبطت 134 طناً و150 كغ دقيق تمويني خلال الأرباع الثلاثة الأولى من العام الحالي و49 طن دقيق غيرت مواصفاته، لذا قامت المديرية بمراسلة وزارة التجارة الداخلية لإصدار قرار يعد أي دقيق لا يحتوي مواصفة دقيقاً تموينياً وينطبق عليه القانون من ناحية السعر والمخالفة بغية ضبط المخالفين، الذين يقومون بإزالة مواصفات الدقيق المستورد خاصة الأبيض للتهرب من المخالفة عند ضبطها.
بدوره علي مظلوم (رئيس حماية المستهلك في مديرية التجارة الداخلية بريف دمشق) ذكر أن المديرية ضبطت 577 طناً و100 كيلو غرام من الدقيق التمويني في مناطق متفرقة، وهنا تجدر الإشارة إلى أنه استكمالاً لهذا الموضوع توجهنا إلى مديرية المواد في وزارة التجارة الداخلية لمعرفة كمية الدقيق المهرب في المحافظات لكن هذا الأمر البسيط الذي لا يتطلب سوى اتصال هاتفي أقله في المحافظات الآمنة فقط استغرق منها وقتاً طويلاً في ظل الترهل والروتين المتبع علماً أنه اتضح لنا بعد التردد لأكثر من مرة على المديرية وجود المعلومات بحوزة مديرها وفق إحصائية دقيقة لكن امتناعه عن تقديمها للإعلام جاء خوفاً من مخالفة تعميم وزير التجارة الداخلية القاضي في عدم إعطاء أي معلومة إلا عبر المكتب الصحفي بحجة الحفاظ على سرية المعلومات مع أن البيانات المطلوبة هدفها إيجابي عبر محاولة رصد ظاهرة تهريب الدقيق التمويني وكيفية الحد منها وكشف المخالفين وليس الإضرار في الاقتصاد الوطني كما ادعى مدير المواد لكن هذه الحجة أصبحت مألوفة خلال الأزمة الراهنة ولاسيما عند الرغبة في التهرب من وسائل الإعلام في حين يبقى الخوف من غضب المسؤول الأعلى مرتبة السبب الأساسي.

ظاهرة تتنامى ....ورقابة ضعيفة

استطاعت مديريات التجارة الداخلية ضبط بعض حالات تهريب الدقيق التمويني لكن حالات كثيرة ظلت بعيدة عن متناول مراقبيها، علماً أن بعض المطلعين على هذا الملف أكدوا لنا أنه في حال ضبط عمليات تهريب الدقيق كانت الحكومة ستخفف كميات الطحين المستوردة إلا أن إمكانات الجهاز الرقابي المحدودة أو وجود بعض الفاسدين في كوادرها كان كفيلاً بإفشال هذه المهمة لكن باسل الطحان (مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك) له وجهة نظر مختلفة مع رفضه القاطع لهذه الاتهامات من خلال تأكيده على بذل الرقابة قصارى جهدها لضبط تهريب الدقيق، الذي يجري اكتشافه في طرق عديدة كالمشاهدة بالعين للدقيق المهرب بنوعيه المحلي والمستورد أو عبر إخبار المواطنين عن عمليات نقل الدقيق من المخابز المخصصة وفي كلا الحالتين تسحب العينة أصولاً وتأخذ الكمية إلى مخابر المديرية أو المخبز المركزي لتبيان نوعية الدقيق، فإذا كان معبأ في أكياس خام مخصصة لشركة المطاحن تصادر الكمية فوراً لكونه يمنع استخدامه إلا من قبل المخابز المخصصة لإنتاج الرغيف التمويني، وبناء عليه تحجز الكمية ويحال إلى القضاء المختص، أما في حالة الدقيق المستورد الأبيض المعبأ بأكياس نايلون وهو يعد تموينياً من ناحية السعر والإنتاج فتسحب العينة لمعرفة نوعه لكون البعض يعبئ الطحين التمويني بأكياس نايلون لضمان عدم كشف عمليات الغش لكن من خلال التحليل يتضح ذلك، فإذا كان تموينياً تحجز الكمية ويحال إلى القضاء ويغرم المخالف من ناحية الدقيق والمازوت.
وفي السياق ذاته شدد لؤي السالم (مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك في ريف دمشق) على إيلاء المديرية اهتماماً كبيراً للحد من تهريب الدقيق التمويني بدليل تمكنها خلال الفترة الماضية من ضبط كميات كبيرة من الطحين وإرجاعها إلى الشركة العامة للمطاحن أو الأفران الواقعة ضمن المنطقة المضبوطة فيها، مضيفاً أنها رصدت حالات المخالفة من خلال متابعة حركة الأفران أو أثناء جولاتها في الأسواق وتحديداً عند ملاحظة أمر غير اعتيادي كوجود سيارة تابعة للشركة العامة للمطاحن في طريق يفترض الا تكون متجهة له لعدم وجود أفران في تلك المناطق لكن الدور الأهم يبقى للمواطن حينما يبادر إلى الإبلاغ عن عمليات تهريب الدقيق من قبل الأفران حرصاً منه على المصلحة الوطنية.

حالات فساد محدودة

عند ضبط فرن معين يهرب الدقيق التمويني تغلق الرقابة التموينية المخبز شرط ألا يؤثر في تخديم المنطقة وتخفيض مخصصاته إذا كان مخبزا خاصاً وتشديد الرقابة لإنتاج كامل الكميات المخصصة وتغريمه في السعر المقرر 39.83 ليرة بدل 8 ليرات وبفارق سعر المازوت المخصص للمخابز لكونه يستلم المادة بـ7 ليرات بدل 60 ليرة وإغلاق المحل مدة شهر وعند تكرار المخالفة يسحب الترخيص وفي حال كان المحل غير مرخص ويستخدم الدقيق في تصنيع خبز النخالة أو الكعك أو المعجنات تلغى المهنة ويغلق المحل فترة طويلة، إذا ثبت وجود الدقيق التمويني وفق رأي الطحان الذي أشار إلى التحقق من صاحب المخبز للوصول إلى الحلقة كاملة من أحد الإجراءات المتخدة علماً أنه حدث أكثر من مرة بالتعاون مع الجهات المعنية الوصول إلى المسؤولين عن عمليات التهريب من خلال متابعة المخبز، ففي هذه الحالات كان أحد الأفران يبيع الدقيق عن طريق سيارة المطاحن وبناءً على الحادثة تمت مراسلة الوزارة وشركة المطاحن لمتابعة هذه القضية لكن عموماً وجود شخص فاسد لا يعني تحميل الشركة مسؤولية ذلك ولاسيما أنها اتخذت العقوبة المناسبة بحق العامل وإحالته إلى القضاء المختص لكونه المعني في البت بهذه القضايا، منوهاً بأن مهمة مديريات التجارة الداخلية الوقوف على الواقعة إلا أن متابعة السلسلة المعنية في تهريب الدقيق من اختصاص القضاء لكن ضبط تهريب الدقيق عموماً يتطلب المتابعة المستمرة من الدوريات التموينية للأفران العامة والخاصة مع حصر المادة وإنتاجها وإلزام الأفران بخبز كامل المخصصات.

فرق السعر

أوكلت خلال الأزمة مهمة استيراد الدقيق التمويني مباشرة إلى الشركة العامة للمطاحن للمساهمة في تأمين هذه المادة من دون تأخير، وهو ما أكده بسام العزام (مدير الإنتاج في الشركة العامة للمطاحن) فيقول «جهود كبيرة تبذل لتأمين رغيف الخبز وسط صعوبات عديدة تواجه إنتاجه كالاعتداءات على المطاحن وأعطالها المتكررة لكونها تعمل أكثر من طاقاتها بعد خروج عدد منها من الخدمة، حيث تبلغ طاقة المطاحن الإنتاجية 7 آلاف طن لكن في سبب تداعيات الظرف الراهن تنتج حالياً بين 3000-3500 طن علماً أن التوزيع اليومي يبلغ 4000-4500 طن بواقع عجز 1000 طن تعوض من خلال الاستيراد أو المطاحن الخاصة» مضيفاً إن ارتفاع سعر الصرف وغلاء أجور النقل ضاعفا النفقات المالية المخصصة لإنتاج رغيف الخبز لكن يبقى الأمر الأسوأ استغلال ضغاف النفوس انخفاض سعر الطحين المدعوم وتهريبه للمتاجرة به، ما يفترض بمديريات التموين تشديد الرقابة على الأفران لمنع تهريب هذه المادة، التي لم يرجع منها إلى شركة المطاحن سوى كميات قليلة طوال العام الحالي  بسبب توزيع الدوريات التموينية للطحين على أفران المناطق المضبوطة بها من دون علم الشركة مع أنه يفترض إرسالها إليها أولاً بغية معرفة الكميات  بدقة وضمان توزيعها إلى الأفران، وقد برر مصدر في مديرية تموين ريف دمشق أن الدوريات تقوم بذلك بغية تأمين حاجة المنطقة من الطحين الذي يكون أساساً مخصصاً لها لكن بالعموم المشكلة الفعلية ليست هنا وإنما في فك القضاء الاحتباس عن الطحين أحياناً مع أن الدوريات التموينية تكون قد ضبطت الواقعة بالجرم المشهود بشكل يضطر الحكومة إلى استيراد هذه الكميات مجدداً، ما يتوجب إيجاد طريقة عملية تضمن إرجاع الطحين المهرب إلى الأفران لإنتاجه وتوزيعه على المواطن، وهنا يبين مدير الإنتاج في شركة المطاحن رأيه في هذا الشأن فيقول: «فرق السعر الكبير بين الطحين المدعوم والحر يعد السبب الأساس في عمليات تهريب الدقيق التمويني، لذا مهما كرست جهود لضبط هذه الحالات سيبقى هناك من يحاول استغلال هذا الفارق ولاسيما في الظرف الراهن بشكل يفرض وضع سياسة دعم عادلة تحد من هذا الهدر المتسبب في خسارة الدولة أموالاً طائلة تذهب لجيوب المستغلين على حساب الفقراء.

خط أحمر

بقي رغيف الخبز خطاً أحمر خلال الأزمة عبر دعم الدولة للطحين والمازوت ولم يحصل أي اختناقات في أغلب المدن سوى بعض المشاكل المبرمجة الناجمة عن إشاعات مغرضة لكن على الرغم من ذلك استمر المواطن بأكل الخبز المدعوم وغالباً ما لجأ إلى زيادة استهلاكه لسد جوعه الناجم عن ارتفاع أسعار الغذاء الجنوني وفق رأي د.سنان ديب (خبير اقتصادي) الذي أكد أن المتاجرة في الطحين المدعوم أو تهريبه إلى البلدان المجاروة وإن لم يكن بكميات كبيرة يفرض ضبط الجهات المعنية هذه الحالات عبر ملاحقة ومعاقبة مرتكبيه عن طريق تحديد مخصصات معينة لكل فرن مع إعطاء بعض السماحات لمن يبيعها لتأمين لقمة العيش بربح متعارف عليه ومتابعة مخصصات الأفران من الطحين والمازوت لكن للأسف ولادة حماية المستهلك لم تحدث أي تغيير بسبب ضعف أداء عناصرها واستمرار الرشاوى والفساد وعدم محاولة تغيير الكوادر أو العقلية المسيطرة قبل الأزمة، لذا لا يفترض أن يكون تقاعس الوزارة المعنية عن تأدية واجباتها مبرراً للجوء إلى علاجات موجعة على المواطن والوطن كاعتبار تهريب الطحين ذريعة لرفع الدعم واعتماد أسلوب الصدمة في تطبيقه بشكل سيترك أثراً سلبياً في المستوى الشعبي، علماً أن تهريب المازوت سابقاً كان ذريعة لرفع سعره، واليوم يحاول البعض تطبيق الأمر ذاته على الطحين وهذا لا يجوز إطلاقاً.
وأضاف ديب: إن رفع الدعم عن الطحين ستكون له نتائج خطرة مهما كانت الوسيلة لتطبيقه في ظل صعوبة الحصول على بيانات دقيقة لعدد أفراد الأسرة وكمية الخبز المستهلكة وعدم توافر الظروف لتوصيل التعويض في حال طرح البدل النقدي أو أي بديل آخر مع أن البدل النقدي يتطلب أموالاً كبيرة، مع الأخذ في الحسبان أن التجربة قد تفشل أسوة بتجربة طرح قسائم المازوت المدعوم ليبقى الخيار الأمثل التدقيق على المخابز واستهلاكها الفعلي عبر الضغط على مديريات حماية المستهلك لتنفيذ واجباتها بكفاءة أو إيجاد لجان شعبية للقيام بهذه المهمة أو تدخل الجهات الأمنية كما فعلت مع المضاربين على الليرة بعد عجز السياسات المالية والنقدية.

تشرين


التعليقات